حكايات اسما السيد 2

شاشة الموبايل كانت بتشع نور أبيض طالع منه سواد كتم على نفسي. فضلت باصص للرسالة وللجملة الأخيرة بالتحديد: *”سر لو طلع، مش بس هتدمر حياتك.. أنت مش هتقدر تمشي في الشارع مرفوع الرأس تاني!”*

إيدي كانت بتترعش، وجسمي كله سحبت منه السخونية وفضل بارد زي الثلج. سر إيه اللي بتتكلم عنه؟ إيه اللي ممكن تكون مخبياه عني وعن أهلي من سنين، ويهد حياتي للدرجات دي؟

دماغي بدأت تلف في سائر ذكرياتي معاها.. افتكرت أيام جوازنا الأولى، لما كانت بتتفادى الكلام في مواضيع معينة تخص عيلتي، لما كانت بتسكت في أوقات كنت بفتكر سكوتها فيها ضعف أو جهل. افتكرت نظراتها الهادية اللي كنت بشوفها غباء، وعينيها اللي كانت بتداري وراها أسرار وتقُلان أ جبل ما يشيلوش.

قفلت الموبايل وحطيته على الترابيزة قدامي وأنا مش قادر أقف على رجلي. الصالة كانت هادية، وصوت التكييف كان بيزن في ودني زي صفارة إنذار.

خرجت مراتي الحالية من الأوضة، كانت لابسة طقم جديد وشايلة في إيدها شنط مشتريات كانت طالباها أونلاين. بصت لي بضيق وقالت بنبرة حادة مليانة استعلاء:

“أحمد! المندوب تحت وعايز باقي الحساب.. باقي المبلغ أربعة آلاف جنيه غير المصاريف.. هات الفلوس بسرعة عشان الراجل مستني.”

بصلتها بعينين زايغة، حاسس بفرق السماء والأرض بين الست اللي كانت بتدفع من جيبها وساترة بيتي وبتحافظ على كبريائي، وبين الست اللي واقفة قدامي مش شايفاني غير الماكينة اللي بتصرف على رفاهيتها.

قلت لها بصوت مخنوق وخافت: “أنا حطيت في المحفظة الصبح ألفين جنيه.. خذيهم ومفيش غيرهم حالياً.. مش معايا كاش في البيت.”

اتنفضت بضيق، وضربت رجلها في الأرض وقالت بغضب:

“يعني إيه مش معاك؟ أنت كل يوم طالع لي بنغمة جديدة! أنا مش ممتنعة عن حاجة، وصحابي كلهم بيشتروا الحاجات دي.. أنت بقيت بتبخل عليا ليه؟ هي الفلوس اللي بتسحبها من البنك وتختفي دي بتروح فين بالظبط؟ أنت بتلعب من ورايا يا أحمد؟”

الصوت العالي والزن المستمر كان بيمزق شرايين مخي. صرخت فيها لأول مرة من يوم ما اتجوزنا بصوت هز جدران الشقة:

“بس! اسكتي بقا! حرام عليكِ رحمة! أنتِ إيه؟ مفيش في دماغك غير الفلوس والمشتريات والطلبات؟ أنتِ فاكرة الحياة إيه؟ مسرحية لرفاهيتك؟ أنتِ ما بتحسيش؟ ما بتفهميش إن بني آدم طاقته اتنفدت؟”

1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *