تبرعت حكايات رشا خالد 2

— مريم… أنا مش عارف أقولك إيه. أنا اكتشفت إني كنت أعشى وأعمى. القوانين والمبادئ اللي كنت فاكر إنها بتدير البيت، كانت بتدمر أعدل وأحن إنسانة في حياتي. أنا ظلمتك يا مريم… ارجعيلي، وأنا مستعد أكتبلك الشقة باسمك، وأمسح كل القوانين دي، وأعيش تحت رجليكي باقي عمري.

بصيت له بثبات.
ملامحه الهادية والنظيفة اللي كانت زمان بتبان لي عقلانية، بقت تبان لي دلوقتي مجرد قناع لغرور وأنانية حادة.

قلت له بصوت هادي وواضح، أسمع كل اللي واقفين في الطرقة:

— أحمد… أنت فاكر إن المشكلة كانت في “مصروف 6 شهور” أو في “تأخير العشا”؟

المشكلة كانت فيك أنت. أنت شخص بيقيس البني آدمين بالورق والبنوك والعقوبات. أنت حاطط لنفسك مكانة ربنا في البيت، وناسي إن الرحمة قبل العدل.

قربت منه خطوة واحدة وكملت:

— أنا لما تبرعت بدمي المرة الأولى، عملت ده بحب. ولما أنت رميت الورقة في وشي، أنت أخذت مني أخيرًا الحاجة اللي كانت تربطني بيك… إحساسي بالأمان. والنهارده، أنا تبرعت لسلمى لأنها إنسانة تستحق الحياة، مش عشان أشتري رضاك أو أرجع لسجنك.

نوال رفعت راسها وقالت وهي بتبكي:

— يا بنتي سامحينا! البيت من غيرك خراب! أحمد بقى عايش زي الغريب في بيته!

بصيت لنوال وقلت:

— سامحتكم لوجه الله يا طنط. بس المسافات اللي بيننا بقت أبعد من إنها تتصلح. أنا دلوقتي عندي حياتي، عندي شغلي، وعندي كرامتي اللي استرديتها.

سحبت شنطتي من على الكرسي، وبصيت لأحمد اللي كان واقف مش قادر يبص في عيني من الخزي:

— ورقة الطلاق الرسمية وصلتني من أسبوع يا أحمد. أنت من النهارده غريب عني. وسلّم لي على سلمى لما تفوق.

فتحت باب قسم الطوارئ وخرجت.

الهوا البارد بتاع الفجر خبط في وشي، بس المرة دي ما حسيتش ببرد. حسيت بدفء غريب مالك صدري.

الشمس كانت بدأت تشرق في أفق القاهرة، ونورها بيغطي الشوارع.

ضغطت بإيدي على مكان الإبرة في دراعي، وابتسمت ابتسامة حقيقية من القلب.

مشيت بثبات ناحية الشارع الرئيسي، وأنا عارفة إن الصفحة القديمة اتقفلت للأبد… وأن حياتي الحقيقية، المستقلة والحرّة، بدأت توها.

مرت ستة أشهر على ليلة المستشفى.

كانت الشمس تشرق على نافذة مكتبي الصغير في سنتر اللغات الجديد الذي افتتحته مع نهى. المكان كان يضج بصوت الأطفال والطلاب، وحياتي أصبحت أخيرًا تسير في مسار هادئ ومستقر. استرددت صحتي بالكامل، وبدأت أستعيد شغفي الشديد بالتدريس والعمل المجتمعي. لم أعد مريم الضعيفة التي تنتظر إحسانًا أو مصروفًا شهريًا يُحسم عند أول خطأ، بل أصبحت امرأة تدير عملها الناجح، وتملك قرارها، وتعيش بكرامتها.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *