جوزي وعد يقعد ولاد أخته عندنا أسبوعين ج 2 حكـايات مني السيد

الجزء الثالث
فضلت واقفة في وسط الأوضة والموبايل في إيدي زي الحجر. الخط قطع، تليفون أحمد اتقفل، وأنا دماغي بقت عاملة زي الخلاط. “جوزها طردها؟ وقفشها؟” الكلمة كانت تقيلة، ومرعبة، وفتحت في راسي ألف باب وباب للشك. يعني كل التمثيلية دي، وكل العياط والشكوى بتاعة نهى إن جوزها مش حاسس بمشاعرها ومش بيكسب كفاية، كانت غطاء لمصيبة تانية؟ وحماتي جاية شقتي بكامل أناقتها وريحتها اللي فايحة عشان تدبسني في العيال، وهي عارفة إن بنتها مطرودة وفيه كارثة؟
حسيت بنار قايدة في صدري. الشك علم والوجع زاد، بس مسكت نفسي. أنا مش هنهار، ومش هجري أروح لهم زي الهبلة عشان أعرف. هما اللي لازم يجوا لحد عندي ويفسروا الكدبة دي. قعدت على السرير، وجسمي كله بيترعش من الغيظ. بصيت للساعة، كانت داخلة على عشرة بالليل. تليفون أحمد لسه مقفول، وتليفون حماتي كمان اتقفل. واضح إن فيه خناقة ودراما عائلية دايرة في شقتي دلوقتي، وحماتي بتحاول تلم الليلة وتخرس ابنها قبل ما ينطق بالباقي.
عدت ساعة كاملة وأنا باكل في نفسي. فجأة، لقيت رسالة جاية لي على الواتساب من رقم غريب. فتحتها، لقيت رسالة مكتوب فيها: “أنا رامي، جوز نهى يا سارة. أنا عرفت إنك سبتي البيت، وأحمد كلمني وهو بيموت من التعب وعايزني آخد العيال. أنا عايز أقابلك حالا، أنا في الكافيه اللي تحت الفندق بتاعك.”
جسمي كله سقع. رامي؟ وعرف مكاني منين؟ أكيد أحمد افتكر اسم الفندق أو شاف الفيزا بتاعتي لما سحبت منها وعرف مكاني وكلم رامي يستنجد بيه. نزلت فوراً من غير ما أفكر. كنت لابس عباية كاجوال سريعة وإيشارب، ونزلت الكافيه اللي تحت الفندق.
لقيت رامي قاعد في ركن بعيد، وشه كان دبلان، وتحت عينه هالات سودا، وباين عليه الهم. أول ما شافني، وقف وشد لي الكرسي وقال بصوت واطي ومكسور:
— شكراً إنك نزلتي يا سارة. أنا عارف إنك مالكيش ذنب في القرف ده كله.
قعدت وبصيت له وعيني فنجلت:
— رامي… إيه اللي بيحصل؟ أحمد قال نص كلمة والخط قطع. نهى فين؟ وإيه حكاية إنك طردتها وقفتشها دي؟
رامي اتنهد تنهيدة طويلة، حط إيده على وشه وقال بنبرة مليانة مرار:
— نهى مش في العين السخنة يا سارة. نهى محبوسة في شقة مامتها القديمة اللي في شبرا، وأمها وأخوها قافلين عليها ومطلعين إشاعة إنها مسافرة تستجم عشان يداروا على الفضيحة لحد ما يشوفوا حل مع المحامين.
بلعت ريقي بصعوبة:
— فضيحة إيه؟
رامي بص في الأرض وقال:
— نهى كانت بتسرقني يا سارة. مش بتسرق فكة من جيبي… نهى سرقت دفتري الشيكات، وزورت إمضائي، وسحبت كل قرش حيلتي في البنك، مش بس كده، دي أخدت دهب أمي الله يرحمها اللي كنت شيله في الخزنة وباعته! ولما واجهتها وقفشتها بالدليل والكاميرات بتاعة محلات الصاغة وهي بتبيع الدهب، وبكشف الحساب من البنك، قعدت تصرخ وتقول لي إنها كانت بتساعد واحد صاحبها في مشروع وهمي، وطلع النصاب ضاحك عليها ومأكلها البحر طحينة وأخد الفلوس وهرب برة البلد!
أنا بقيت قاعدة ببنقل عيني بينه وبين الطربيزة، مش مصدقة اللي بسمعه. نهى؟ نهى الهادية، الضحية، اللي بتزعل من “قصة الشعر”، تطلع مدموجة في مصيبة بالبشاعة دي؟ وتزور وتسرق جوزها وعيالها؟
رامي كمل والدموع في عينه:
— أنا طردتها وكنت هعمل لها محضر وأسجنها. بس حماتي وأحمد جولي وركعوا تحت رجلي عشان خاطر العيال وسمعتهم. قالوا لي هنسدد لك كل مليم، بس بلاش سجن وفضايح. أحمد مضى لي على شيكات ووصولات أمانة بمبلغ كبير جداً عشان يضمن لي حقي، وبناء عليه، اتفقنا إن نهى تفضل مختفية في شقة شبرا لحد ما الإجراءات تخلص ويبيعوا أرض عندهم في البلد عشان يرجعوا لي فلوسي ونطلق هادي من غير شوشرة.
هنا النور نور في دماغي فجأة! عشان كده أحمد وافق فوراً إن العيال يجوا عندي! وعشان كده حماتي كانت مستميتة إنها تدبسني فيهم! هما كانوا عايزين يفضوا البيت لنهى ومشاكلها، وعايزين العيال يبقوا بعيد عن المحاكم والمحامين والوش، وطبعاً مفيش “حمارة شغل” أحسن من سارة تشيل العيال وتطبخ وتنظف من غير ما تسأل، تحت شعار “واحد زي تلاتة” و”أخت جوزك في محنة”.
وقفت من طولى وطربيزة الكافيه اتهزت من عصبيتي:
— يعني أحمد جوزي، مضى على نفسه شيكات ووصولات أمانة بمئات الآلاف، ودبس نفسه في ديون عشان يغطي على سرقة أخته، وكل ده من ورايا؟ وبيدبسني في عيالها عشان هما يتفرغوا للمصيبة؟
رامي هز راسه وقال:
— أيوه يا سارة. وأنا لما أحمد كلمني من شوية وهو بيبكي وبيقول لي العيال بيخربوا البيت وسارة مشيت وأمي ضغطها عالي، أنا قلت له أنا ماليش دعوة، العيال عندك أسبوعين زي ما اتفقتوا، أنا نفسيتي مدمرة ومش قادرة أشوف وش حد من عيلتكم. بس لما لقيت أحمد هينهار، صعب عليا آدم الصغير، وجيت عشان أقول لك الحقيقة… إنتِ مظلومة في الليلة دي يا بنت الناس، وجوزك بيمثل عليكِ هو وأمه.
طلعت الأوضة بتاعتي في الفندق وأنا مش شايفة قدامي. الدنيا كانت بتلف بيا. أحمد، شريك حياتي، الراجل اللي بخلان عليا بكلمة حلوة، واللّي بيستخسر فيا ثمن علبة لبن صناعي غالية لآدم، ومستخسر يخليني أجيب شغالة تساعدني لو يوماً تعبت، رايح يمضي على نفسه وصولات أمانة توديه السجن عشان أخته المستهترة؟ ويخبوا عليا كأنني غريبة أو جارية عندهم في البيت؟
فتحت الموبايل، ولقيته بدأ يشتغل تاني. لقيت أحمد باعت رسالة صوتية، صوت الصريخ ورايا كان عالي جداً، ومالك وسلمى كانوا بيعيطوا بهيستيريا. أحمد كان صوته مبحوح وخايف:
— سارة… أنا آسف. أنا عارف إني عكيت. أمي تعبت وجبنا لها الدكتور في الشقة، والعيال مبهدلين الدنيا وأنا مش ملاحق. أرجوكِ ارجعي عشان خاطر آدم، وأنا هحكي لك كل حاجة، والله هحكي لك كل حاجة!
رديت عليه برسالة مكتوبة، كلماتها كانت زي الرصاص:
— أنا عرفت كل حاجة يا أحمد. رامي حكى لي على السرقة والشيكات وشقة شبرا. مفيش داعي تحكي. وأنا مش راجعة. الشقة شقتك، وعيال أختك عندك، اتصرف معاهم بقا بالـ “راحة” اللي كنت بتقول عليها.
بعد دقيقتين بالظبط، لقيت مكالمة من حماتي. رديت وأنا حاطة رجل على رجل وقلبي ميت.
حماتي صوتها كان طالع بالعافية، باين عليها التعب فعلاً:
— يا سارة… يا بنتي… حرام عليكِ اللي بتعمليه فينا ده. إحنا في مصيبة وخراب بيوت. أحمد ماله ذنب، ده كان بيحمي أخته وسمعة ابنك آدم! لو نهى اتسجنت، ابنك بكره هيروح المدرسة ويقولوا له عمتك حرامية! إحنا عملنا كده عشان نحمي العيلة!
ضحكت بصوت عالي وسمعتهالها:
— تحموا العيلة؟ ولا بتشتغلوني؟ جايين تفرشوا لي الوش الخشب وتقولوا لي “واحد زي تلاتة” وأنا زي الهبلة أخدم وأشيل وأنتوا بتخططوا من ورا ظهري؟ أحمد مضى شيكات بفلوس هي ورث ابني ومستقبله! أحمد دبس نفسه في ديون ممكن تسجنه، وجايين تطلبوا مني أرجع أعمل رضعات وأغير بامبرز؟
حماتي بدأت تعيط:
— طيب ارجعي عشان خاطر آدم الصغير… الواد هيموت من العياط ومش عاجبه أكل أبوه.
— آدم ابني أنا هعرف آخده إزاي يا طنط. أحمد أبوة وقاعد معاه، مش هيموته يعني. لكن رجوع للبيت ده مش هيرجع إلا بشروطي أنا… وشروطي هتبقى تقيلة قوي عليكم.
قفلت السكة. قعدت على الكرسي وأنا بخطط للخطوة الجاية. أنا مش هسيب حقي، ومش هسيب جوزي يضيع مستقبلي ومستقبل ابني عشان أخته النصابة وعشان خاطر طاعة أمه العمياء.
ثاني يوم الصبح، الساعة تسعة، لبست أحسن هدوم عندي، وحطيت ميك اب خفيف يداري الهالات، ونزلت. ركبت تاكسي ورحت على شقتي.
أول ما حطيت المفتاح في الباب وفتحته… شميت ريحة الشقة. ريحة كمكمة على لبن مدلوق على شياط أكل. الشقة كانت تشبه المقبرة بعد إعصار. السجاد كله بقع، الحوائط مشخبط عليها بالأحمر والأسود، المطبخ مليان مواعين لحد السقف، وعلب السيريلاك مدلوقة في كل حتة.
حماتي كانت نايمة على الكنبة في الصالة، حاطة قماشة مبلولة على راسها وشكلها عيانة بجد. ومالك وسلمى كانوا قاعدين في الأرض، واد منهم ماسك ريموت التلفزيون المكسور، والبنت بتعيط بملل.
أما أحمد… فكان واقف في المطبخ، بيحاول يعمل بيض مسلوق، ووشه هربان منه الدم، وأول ما شافني، ساب المعلقة وجري عليا كأنه شاف طوق النجاة. غسيل تيشيرته كان مبهدل، وعيونه فيها رجاء غريب.
— سارة! الحمد لله إنك جيتي! أنا كنت هموت… الشقة… وآدم…
بصيت له من فوق لتحت ببرود تام، وميلت راسي:
— فين آدم؟
— نايم جوه… نام بالعافية بعد ما عيط طول الليل. سارة، أنا هفهمك… رامي أكيد هول لك الموضوع…
قاطعته بإيدي وأنا برفع صباعي في وشه:
— رامي ما هولش حاجة. رامي قال الحقيقة اللي إنت وأمك كنتوا مخبينها. مضيت شيكات بكام يا أحمد؟
أحمد بلع ريقه وبص لأمه اللي قامت قعدت بتعب على الكنبة وبصت لي بخوف. أحمد قال بصوت واطي:
— نص مليون جنيه يا سارة… رامي كان هيسجنها، وأنا مكنش قدامي حل تاني. أمي كانت هتموت من جلطة لو نهى دخلت الحجز.
ضحكت بسخرية:
— نص مليون جنيه؟ ده إنت لما طلبت منك نغير غسالة الأطباق اللي باظت من شهرين قلت لي “معيش والعيشة غالية ويادوب مكفيين مصاريف آدم”! تطلع معاك نص مليون لأختك الحرامية؟
حماتي زعقت بتعب:
— احترمي نفسك يا سارة! دي أخته! مش غريبة!
بصيت لحماتي بعين حامية:
— أخته تسرق وتخرب بيتها، تتحمل نتيجة أفعالها يا طنط! مش تيجي تخرب بيتي أنا وتضيع شقى جوزي اللي هو شقايا وشقى ابني!
لفيت لأحمد وقلت له بشروط واضحة وحاسمة:
— قدامك حل من الاتنين يا أحمد، ومفيش تالت. يا إما الشيكات دي تتلغي، وأختك تروح تواجه مصيرها ورامي يتصرف معاها، يا إما الشقة دي اللي إحنا قاعدين فيها، تتكتب باسمي أنا وآدم بيع وشراء قطعي، كضمان ل حق ابني في فلوسك اللي بتوزعها على أختك، وتعمل لي مصاريف شهرية ثابتة تنزل في حسابي ماليش دعوة ب ديونك.
أحمد شهق وصدمته كانت أكبر من صدمة امبارح:
— أكتب الشقة باسمك؟ إنتِ بتستغلي محنتي يا سارة؟ بتلوي دراعي عشان أختي في داهية؟
— أنا بحمي ابني من غبائك يا أحمد! ومن كدبكم! لو مش عاجبك، أنا هاخد آدم دلوقتي حالا، وهطلع على بيت أهلي، والمحامين بقا هما اللي يتكلموا، وق/ضية نفقة ومؤخر وقايمة، وهخليك تدفع النص مليون لرامي، والنص مليون التاني ليا ولابنك في المحاكم… واختار بقا مين أولى بالدفع!
أحمد بص لأمه وهو عاجز تماماً، وحماتي كانت بتتنفس بصعوبة ومش عارفة ترد. وفجأة، وسط الصمت والتهديد ده، جرس الباب رن تاني… بس المرة دي الرن كان خبط ورزع عنيف جداً، كأن الشـرطة واقفة برة!
أحمد جري يفتح الباب وهو مرعوب، وأول ما فتح، لقيت جوز أختها رامي واقف، ومعاه اتنين رجالة شكلهم غريب، وفي إيده ورقة… وبص لأحمد وقال بزعيق هز الشقة كلها:
— أختك الهربانة سرقت فيزا أمي التانية امبارح بالليل وسحبت فلوس وهربت من شقة شبرا يا أحمد! الشيكات اللي معاك دي مبلولة واشرب ميتها، أنا جاي الحجز على العفش والشقة دي حالا!
الجزء الرابع والأخير
الشقة كلها اتزلزلت بكلمات رامي. أحمد وقف في مكانه كأنه اتصعق بكهربا، إيده سابت مقبض الباب وعينه بقت زايغة وبصق لعابه بالعافية. حماتي سناء قامت من على الكنبة كأن الوجع اللي في جسمها اختفى فجأة من الصدمة، وطرحتها وقعت على كتافها وهي بتصرخ:
— أنت بتقول إيه يا رامي؟ بنتي نهى تهرب؟ وتسرق تاني؟ لأ مستحيل، بنتي متربية ومبتعملش كده!
رامي دخل الشقة بكل غيظ، وزق أحمد في كتفه وهو بيشاور بالورقة اللي في إيده والرجالة اللي معاه واقفين على الباب وراسمين وشوش خشب:
— متربية؟ روحوا شوفوا الست هانم المتربية اللي قفلتوا عليها في شقة شبرا وعملتوا لي فيها حماة الحمى! دي غفلت خالتها اللي كانت قاعدة معاها امبارح بالليل، وسرقت الفيزا من شنطتها، ونزلت سحبت المتاح فيها كله، وطلبت أوبر وطفشت! والصبح البنك بعت رسالة لخالتها، ولما كلمنا البواب قال إنها نزلت بشنطة هدومها الكبيرة الساعة 3 الفجر! بنتك مش مريضة ولا ضحية يا سناء، بنتك نصابة ومجرّمة، وأنا مش هسكت على مليم واحد!
أحمد لف لرامي وصوته طالع مخنوق، كأنه عيل صغير بيستعطف جلاد:
— طيب وأنا ذنبي إيه يا رامي؟ أنا مش مضيت لك على وصولات وشيكات بنص مليون جنيه؟ حقك معايا وفي رقبتي، سيب الشقة وسيب العفش، أنا هبيع الأرض وأسدد لك!
رامي ضحك بمرارة وسخرية، وصوته سمع العمارة كلها:
— أرض إيه اللي تبيعها يا مغفل؟ أنت لسه فاكر إن فيه أرض؟ أمك العزيزة بايعة نصيبها ونصيب أختك في الأرض دي من ست شهور لعمامك ومقبضين نهى الفلوس عشان تسدد ديون قديمة لأصحابها، وأنت نايم على ودنك ومفهمينك إن الأرض لسه موجودة! الشيكات اللي معاك دي يا أحمد ملهاش رصيد في حسابك، وأنا رافع بيها قضايا حالا، والرجالة دول جايين يثبتوا حالة الحجز على الشقة والعفش اللي باسمك لأنك ضامن وضامن كداب!
أنا كنت واقفة في ركن الصالة، مربعة إيدي وبسمع المأساة دي كلها. الوجع اللي كان في قلبي امبارح اتقلب لبرود غريب وقوة عمري ما حسيت بيها. بصيت لأحمد اللي كان وشه جايب ألوان، وبصيت لحماتي اللي قعدت في الأرض تلطم على وشها وتصرخ: “يا مصيبتي.. يا فضيحتي في البلد.. البت ضيعتنا!”
العيال، مالك وسلمى، أول ما شافوا المنظر ورامي بيزعق وأمهم مش موجودة وجدّتهم بتلطم، دخلوا في نوبة عياط وهيستيريا. وفي وسط المولد ده، سمعت صوت آدم ابني وهو بيصحي جوه ويعيط بخوف من الصوت العالي.
مشيت بخطوات ثابتة وسط الصالة، ولا همّني رامي ولا الرجالة بتوعه، ولا همّني انهيار أحمد. دخلت الأوضة، شلت آدم في حضني، طبطبت عليه وبوست راسه، ولميت باقي الهدوم بتاعته وبتاعتي في الشنطة الكبيرة. حطيت بطاقتي وموبايلي والفيزا في الشنطة الصغير، وخرجت برة الأوضة وأنا شايلاه على كتفي.
أول ما طلعت الصالة، أحمد جيري عليا، دموعه مغرقة وشه، ومسك في كم العباية بتاعتي كأنه بيغرق:
— سارة! أرجوكِ ما تمشيش! أنا بضيع يا سارة! الشقة هتروح، وأنا هتحبس، وأمي بتموت! أرجوكِ اقفي جنبي، أنتِ مراتي وحبيبتي، مليش غيرك ينجدني من الورطة دي!
بصيت لإيده اللي ماسكة كمي بنفور، وشلتها بصباعين إيدي بكل قرف، وقلت له بنبرة باردة زي التلج:
— مراتك وحبيبتك؟ دلوقتي بقيت مراتك وحبيبتك يا أحمد؟ لما كنت بتخبي عليا المصايب وتتدبس في ديون بنص مليون جنيه وتكدب في عيني وتقول لي “معيش” كنت مراتك؟ لما اتفقتوا أنت وأمك تنزلوني من نظري وتخلوني خادمة لعيال أختك عشان تداروا على قذارتها ووساختها، كنت حبيبتك؟ أنت اللي ضيعت نفسك يا أحمد. أنت اللي فضلت أختك النصابة وأمك الكدابة على بيتك وابنك ومرأتك. شيل شيلتك بقا.
حماتي رفعت راسها من الأرض وهي بتنهج وتقول بغل:
— أنتِ إيه يا شيخة؟ معندكيش قلب؟ مفيش في بطنك رحمة؟ الراجل بيته بيتهد وأنتِ واقفة تتشفى وتتشرطي؟
بصيت لها من فوق لتحت وقلت:
— رحمتي خلصت من يوم ما جيتي بيتي متعطرة ولابسة شيك عشان ترمي عليا حمل مش حملي، وتتهميني بالأنانيّة وأنتِ وبنتك قمة الأنانية والخراب. أنا مش هسيب ابني يتربى مع أب مديون ومهدد بالسجن وعائلة نصابة. أنا طالعة على بيت أهلي، وورقة طلاقي تجيلي يا أحمد، يا إما والمصحف هرفع عليك خلع وقض/ية نفقة من بكرة الصبح وأسجنك أنا قبل رامي!
رامي بصلي باحترام وقال:
— أنتِ بنت أصول يا سارة، وملكيش ذنب، خدي ابنك وامشي، أنا مشكلتي مع المغفل ده وأمه وأخته.
خرجت من الشقة وأنا مش باصة ورايا. صوت صريخ حماتي وعياط العيال وزعيق رامي كان مالي السلم، بس أنا كنت حاسة إن الهوا اللي بنفسه نقي جداً. ركبت تاكسي ورحت لبيت أهلي. أول ما أمي فتحت لي الباب وشافتني شايلة آدم والشنطة، اتخضت، بس أنا ارتميت في حضنها ونزلت دموعي كلها.. دموع القهر والتعب السنوي اللي عشته مع راجل مش مقدرني. حكيت لأبويا وأمي كل حاجة من طققطق للسلام عليكم. أبويا خبط على الطربيزة وقال: “ولا تزعلي يا بنتي، الراجل اللي مأمنش مراته وابنه على ماله وسره ومستقبلهم ميتعاش بـقرش معاه. نامي وارتاحي وأنا بكره هوريه الوش التاني.”
مرت الأيام والأسابيع، وأحمد وعيلته عاشوا أسود أيام حياتهم. رامي منفذش الحجز فوراً، لكنه ضغط بالشيكات، وأحمد اضطر يستلف من طوب الأرض وياخد قروض بفوائد عالية من البنك عشان يسدد لـ رامي جزء من الفلوس عشان يتنازل عن القضايا وميدخلش السجن.
أما نهى… فبعد شهر كامل من هروبها، الشرطة قفشتها في شقة مفروشة في الإسكندرية مع نفس الشخص النصاب اللي ضحك عليها في الأول، وكانت بتصرف عليه من الفلوس اللي سرقتها من خالتها! رامي رفض يتنازل لها، واتحكم عليها بالسجن بتهمة السرقة والتزوير، وبقت ورا القضبان، والعيال مالك وسلمى أخذهم أبوهم رامي ورفض إن حماتي أو أحمد يشوفوهم تاني.
حماتي سناء جالها شلل نصفي من الحزن والصدمة والفضايح وسط قرايبهم وفي البلد، وبقت قاعدة في السرير لا بتنطق ولا بتحرك، وأحمد بقا هو اللي بيخدمها ويغير لها، ويشتغل ليل نهار في وظيفتين عشان يسدد القروض والديون اللي ركبت فوق كتافه بسبب أخته. الشقة بتاعتهم اتطفت، ومبقاش فيها لا جاتوه غالي ولا شاي مستورد، بقت شقة كئيبة مليانة هموم ومرض وديون.
بعد شهرين من الواقعة دي، كنت قاعدة في جنينة بيت أهلي، وآدم بيلعب قدامي باللعب بتاعته وبيضحك، ووشه منور ونظيف، وأنا رجعت لي صحتي وضوافري طالت، والهالات اللي تحت عيني اختفت، ورجعت سارة المتفائلة الشابة اللي لسه الدنيا قدامها.
أبويا دخل عليا ومعاه المحامي، وقال لي: “أحمد برة يا سارة، جاي وعايز يشوفك، وموافق على كل الشروط.”
خرجت لقاعة الضيوف، وأول ما دخلت، لقيت أحمد قاعد. مكنتش مصدقة إن ده أحمد جوزي! الراجل خس النص من وزنه، وشه بقى مليان تجاعيد، وشعره غزا الشيب أغلبه، ولابس قميص قديم ومش مكوي. أول ما شافني، وقف وعينه املت بالدموع:
— سارة… أزيك؟ وأزي آدم؟
قعدت بعيد عنه، وحطيت رجل على رجل، وقلت بجمود:
— إحنا كويسين جداً يا أحمد. مفيش داعي للمقدمات، أنت جاي ليه؟
أحمد نزل راسه في الأرض وقال بصوت مكسور:
— أنا جاي أترجاكِ ترجعي يا سارة. أنا بيتي اتخرب، وأمي عيانة ومش قادر على خدمتها ومصاريف العلاج، وأختي في السجن، وأنا بشتغل من 9 الصبح لـ 12 بالليل عشان أسدد الديون. أنا عرفت قيمتك يا سارة. عرفت إنك كنتِ شايلة عني كتير، وإن قعدتك في البيت دي كانت الجنة اللي أنا رفستها برجلي. أنا موافق على كل شروطك… هكتب لك الشقة بيع وشراء، والمصاريف اللي عايزاها هأوفرها لك من تحت الأرض، بس ارجعي نوري بيتي وشيلي معايا الهم ده.
بصيت له وابتسمت ابتسامة باردة مليانة ثقة:
— شروط امبارح يا أحمد، غير شروط النهاردة. شروط امبارح كانت وأنت لسه على بر الأمان وبتحاول تتذاكى. النهاردة أنت جاي لي وأنت مديون ومفلس، وأختك مسجونة، وأمك قعيدة. تفتكر أنا غبية عشان أرجع أدفن نفسي معاك في مقبرة الديون والهموم دي؟ أرجع عشان أبقى ممرضة لأمك اللي ظلمتني، وخادمة لبيت مهدد في أي لحظة يتباع عشان القروض؟
أحمد بكى بصوت مسموع:
— يعني خلاص؟ مفيش أمل؟ هتهدي بيتك وابنك يعيش من غير أب؟
وقفت وبصيت له بكل حسم وقوة:
— بيتي اتهد يوم ما أنت هديته بكدبك واستخفافك بيا. وآدم ابني هيعيش بأم قوية تحميه، وأبويا ضهره وسنده. الشقة اللي أنت جاي تكتبها لي دي ماليش شوق فيها، لأنها بقت شقة مليانة نكد وخراب، وخليها معاك بيعها وسدد بيها ديونك عشان متتسجنش. أنا مش عايزة منك غير حاجة واحدة بس… ورقة طلاقي، وحقوقي كاملة المؤخر والنفقة بتاعة آدم، وتشوف ابنك مرة كل أسبوع في نادي رسمي… غير كده مفيش كلام بنا.
أحمد بص لي وهو مش مصدق إن البنت الهادية المطيعة اللي كانت بتسكت على قلة ذوقه وإهانته، بقت بالقوة دي. عرف إنه خسر كل حاجة… خسر مراته، وابنه، ومستقبله، وفلوسه، عشان خاطر ناس متستاهلش.
هز راسه بالموافقة وهو مكسور تماماً، ووقع على ورق الطلاق والاتفاق اللي كان المحامي مجهزه.
بعد أسبوع، كنت واقفة قدام المراية في أوضتي، لابس فستان شيك وملون، وبجهز نفسي عشان خارجة أنا وآدم وأهلي نتعشى برة ونحتفل بـ بداية حياتي الجديدة. بصيت لنفسي في المراية وابتسمت، واقتنعت إن الضربة اللي متموتش بتقوي.
أحمد كان فاكر إن “واحد زي تلاتة” في تربية العيال، ومكنش يعرف إن الست لما بتشيل فوق طاقتها وبتتصدم في الراجل اللي أمنته على حياتها، بتتحول لـ “تلاتة في واحد”.. قوة، وعزيمة، وكرامة متهزهاش أي ريح.
خرجت من الأوضة، شلت آدم اللي كان بيضحك لي ويناغي، وقفلت الباب ورايا على الماضي كله، وبدأت صفحة جديدة ونظيفة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *