تبرعت حكايات رشا خالد 2
أ مسكت الموبايل بهدوء، وحطيت القهوة الدافية على الترابيزة الصغيرة في أوضتي. صوت أحمد من الناحية التانية كان غريب تمامًا؛ نفس الرجل اللي كان بيتكلم معايا قبل 3 شهور بنبرة مدير صارم، ومقتنع إن العاطفة والظروف ملهاش مكان قدام “قوانين البيت”، كان دلوقتي بيبكي بصوت مكسور ومصحوب بصرخات نوال العالية في خلفية المكالمة.
رديت بصوت متزن وخالي من أي انفعال:
— خير يا أحمد؟ بتتصل ليه في وقت زي ده؟
جه صوت أحمد متقطع ومصحوب بشهقات بكاء:
— مريم… أرجوكي… أختي سلمى بتموت! إحنا في المستشفى من امبارح بالليل، النزيف مش راضي يقف ونسبة الهيموجلوبين نزلت للحضيض… الدكتور قال إنها محتاجة نقل دم ونقل بلازما طازجة فورًا خلال دقائق، وإلا قلبها هيقف…
سكت ثانية علشان يبتلع ريقه، وكمل برجاء ذليل:
— الدكتور قال إن فصيلتها نادرة جدًا، ومفيش أي كيس متوفر في بنك الدم في مصر كلها حاليًا… وقال إنك المتبرعة الوحيدة المسجلة في ملفها الممكن ينقذ حياتها… أرجوكي يا مريم، أنقذي سلمى… تعالي المستشفى فورًا، أنا مستعد أعملك أي حاجة تطلبيها! أرجوكي يا مريم، أبوس إيدك ما تسيبنيش أكسر قلبي على أختي!
سمعت كلامه، وقعدت على الكرسي ببطء.
في الخلفية، صرخت نوال بصوت هستيري وهي بتاخد الموبايل من أحمد بالعافية:
— مريم! يا بنتي يا مريم! سامحيني يا بنتي… أنا جيت عليكي وظلمتك، حقك على راسي من فوق! تعالي انقذي أخت جوزك… تعالي ارجعي بيتك ومطرحك وكل قوانين الدنيا تحت رجليكي! بس تعالي سريعيًا قبل ما البنت تروح مننا!
غمضت عيني لحظة.
افتكرت الليلة اللي نزفت فيها من إيدي في طرقة نفس المستشفى…
افتكرت الورقة اللي اتطارت في وشي…
افتكرت الخصم، والتهميش، والطرد في منتصف الليل بشنطة هدومي وبس…
وافتكرت كمان إن سلمى ملهاش ذنب في كبرياء أخوها ولا قسوة أمها. سلمى كانت مجرد ضحية لبيت مبيعرفش يعيش إلا بالتحكم والقوانين الجافة.
فتحت عيني وقلت بصوت صارم:
— اسم المستشفى إيه؟
أحمد رد بسرعة ولهفة:
— مستشفى (…) الاستثماري في المهندسين! الطابق الأول، قسم الحالات الحرجة! أنا هبعتلك عربية تحت بيتك فورًا!
قلت ببرود:
— ما تبعتش حاجة. أنا جاية بعربيتي. نص ساعة وهأكون هناك. بس افتكر يا أحمد… أنا مش جاية عشانك، ولا عشان أمك، ولا عشان “أرجع بيتي”. أنا جاية عشان إنسانة بين الحياة والموت، والإنسانية مفيش فيها قوانين بيت ولا عقوبات.