ساد الصمت في مكتب وكيل النيابة كأن على رؤوسنا الطير. الأنفاس اتكتمت، وأمي رفعت رأسها بالعافية والدموع مجمدة في عينيها، وحسام أخته سمر اتسمروا مكانهم، وصالح خطى خطوة للأمام وعينيه هتطلع من مكانها من شدة الذهول. وكيل النيابة بص في الورقة اللي في إيده ونطق الاسم بصوت زي الرعد: “التحويل البنكي رايح باسم… الأستاذة سمر وزوجها طارق، والفلوس أتحولت لحساب أختها الثالثة اللي عايشة في دبي!” “دبي؟!” الصرخة طلعت مني ومن صالح في نفس اللحظة. أنا اتلفت بصدمة لسمر اللي وشها اصفر وبقت تترعش زي الورقة الشجر في مهب الريح. سمر كانت ديماً مبينة إنها غلبانة ومكسورة الجناح وإن جوزها طارق مديون والغربة طحناه، وأختنا الكبيرة نجلاء اللي تجوزت وسافرت الإمارات من سنتين كانت ديماً برة الصورة ومحدش بيجيب سيرتها في المشاكل! صالح اندفع خطوة ناحية سمر وطارق وهو بيصرخ وبصوته هز جدران المكتب: “يا خفايا يا كفرة! بقى نجلاء اللي برة هي اللي بتمشي التشكيل العصابي ده كله؟! بقى شقايا وعرقي بيروح يتحول في حسابات برة مصر وأنا مراتي فاكرينكم غلابة وبتحاولوا تسدوا ديونكم؟!” طارق وقع على ركبتيه في الأرض وهو بيترجى وكيل النيابة: “يا باشا والله نجلاء هي اللي قالتنا! هي اللي قالت لو انباع الدهب هنا في مصر الصاغة هتكشفه والمباحث هتوصل للسبائك المرقومة، وقالت ابعتولي المبالغ الكبيرة عن طريق شركات الصرافة بسعر السوق السوداء وهي هتشيلهم هناك ولما الموضة تهدا ونعمل محضر السرقة هتقسم معانا!” أمي صرخت صرخة طلعت من قاع قلبها المكسور، ولطمت على وشها بإيديها الاثنين وهي بتبص لسمر وطارق: “يا مري! يا خسارة تربيتي فيكم! بقى اتفقتوا مع أختكم برة عشان تسرقوا أختكم الصغيرة وشقا جوزها؟! وأنا اللي كنت فاكرة إنكم محتاجين وبتاكلوا لقمة ناشفة؟! يا لهوي يا فضيحتي قدام ربنا والناس!” حسام أخويا بص لسمر بغل وحقد واندفع يضربها بالكلبش اللي في إيده: “يا واطية! بقى أنتِ وطارق بتلعبوا من ورايا ومحولين الفلوس لنجلاء وأنا اللي لبست المحضر وشايل الليلة قدام المباحث والنيابة?!” المكتب تحول لساحة حرب. العساكر اتدخلوا بسرعة وزقوا حسام بعيد عن سمر، ووكيل النيابة خبط بيده بقوة على المكتب وصوته زلزل المكان: “بس أنت وهو! فاكرين نفسكم فين؟! العسكري! خدهم كلهم على الحجز فوراً!” وقف وكيل النيابة ووجه كلامه للمحامي بتاعه: “كده الجريمة اتسعت وتطورت لتشكيل عصابي وتبييض أموال وتهريب أموال للخارج بخلاف خيانة الأمانة والسرقة. هينصدر أمر بطلب نجلاء عن طريق الإنتربول الدولي، وحبس المتهمين حسام وسمر وطارق 15 يوماً على ذمة التحقيق، وأمر بضبط وإحضار جميع المستندات المالية.” بص وكيل النيابة لأمي وقال بنبرة فيها شفقة ممزوجة بالحزم: “وبالنسبة للأم.. نظراً لكبر سنها وحالتها الصحية، يُفرج عنها بكفالة مالية قدرها خمسون ألف جنيه على ذمة التحقيقات، مع منعها من السفر.” صالح كان واقف زي المذهول، كلام وكيل النيابة عن الإنتربول والفلوس اللي راحت دبي نزل عليه زي الجبل. الفلوس مش بس اتسرقت، الفلوس اتفتت وطارت برة مصر، وحلم المشروع والأرض والأمان اللي اغترب عشانهم أربع سنين بقى كأنه سراب بيتبخر قدام عينيه. المتهمين اتسحبوا للخارج والعساكر ماسكينهم. سمر كانت بتبكي وتصرخ باسم أمي، وحسام كان بيشتم في طارق ونجلاء، وأمي كانت قاعدة على الأرض مش قادرة تقوم، عينيها زايغة ودموعها نازلة من غير صوت. أنا وقفت في نص الأوضة، حاسة بوجع هز كياني. وبصيت لأمي، وعلى الرغم من كل اللي عملته، كأن في غريزة جواه زقتني ناحيتها. قربت منها، ووطيت على الأرض، ومسكت إيدها الباردة عشان أقومها. أمي بصتلي بعيون مليانة خزي، وإيدها كانت بترتعش في إيدي وقالت بصوت مكسور: “أمل.. يا بنتي.. أنا أسفة.. أنا كنت عمياء.. اتضحك عليا من ولادي اللي بطني شالتهم.. دمرت بيتك يا بنتي بإيدي.” قبل ما أرد عليها، صالح قرب منا بخطوات ثقيلة. كان وشه أصفر ونظراته بقت عبارة عن كتلة من الصخر والجمود. بص لأمي وهي على الأرض، وبعدين بصلي. “مبروك يا أمل..” قالها بصوت هادي ومسموم، يقطع القلب أكتر من الزعيق: “مبروك الكفالة لأمك.. ومبروك الخيانة اللي ظهرت في عيلتك كلها من الكبير للصغير.. أدي أهلك اللي ضيعتي بيتك عشانهم.. أدي العيلة اللي وثقتي فيها وأمنتيها على شقايا.” قمت وقفت قدامه، وبصيت في عينيه وقلت بنبرة ثابتة رغم الكسرة اللي جوايا: “أنا مدافعتش عنهم يا صالح.. ولا كنت أعرف باللي عملوه.. أنا مصدومة فيهم أكتر منك! أختي وأخويا وأمي طعنوني في شرفي وبيتي.. بس أنت كمان طعنتني لما رميتني وبعتني وأخدت بناتي مني في لحظة أنا كنت محتاجة إيدك تسندني فيها!” صالح قرب وشه مني وقال بصوت واطي بس حاد زي السكين: “أنا مابيعتش يا أمل.. أنا اتجرحت في كرامتي وفي شرفي وفي شقا عمري! والست اللي تسمح لأهلها يوصلوا جوزها للجلطة وتفرج عليه القسم والنيابة، ميبقاش ليها مكان في حياتي. الفلوس والسبائك اللي هترجع من الإنتربول أو من الصاغة هتاخدي نصيبك منها بالقانون زي ما طلبتي قدام وكيل النيابة.. أما بناتي، فدول خط أحمر، مش هيتربوا في جو الخيانة ده!” لف صالح وشه ومشي بسرعة من غير ما يدي فرصة لأي كلام، ومحاميه مشي وراه. وقفت أنا وأمي في ممر النيابة الفاضي. أمي ساندة عليا وبتعيط بقلة حيلة، وأنا حاسة إني شايلة جبلين على كتفي: جبل أهلي اللي دخلوا السجن وانفضحت خيانتهم قدام الدنيا، وجبل جوزي اللي اتطلق مني وأخد بناتي وراحه بلدهم ورفض يسامحني. دفعت كفالة أمي من المبلغ الصغير اللي كان باقي معايا في البنك من قطري، وأخدتها ورجعنا الشقة. البيت كان مظلم وبارد كأنه بيت مهجور. أمي دخلت الأوضة ونامت على السرير زي الجثة، مابتتكلمش ولا بتاكل، وعينيها متثبتة في السقف. أنا قعدت في الصالة، وبصيت على اللعب بتاعة البنات المرمية في الزاوية.. عروسة نور الصغيرة، وفردة جزمة فريدة. مسكتهم وحضنتهم لصدري وبكيت بكاء طالع من حشاشة قلبي. مرت ثلاثة أيام وأنا محبوسة في البيت بين دموعي وصمت أمي القاتل. وفي اليوم الرابع، تليفوني رن.. كان رقم غريب من الشرقية. رديت بسرعة وقلبي بيدق: “أيوة؟” صوت ست كبيرة جه عبر الخط، وكان صوت حاد وصارم.. صوت حماتي، أم صالح! “أيوة يا أمل..” قالت حماتي بجفاء وجمود: “أنا بكلمك عشان أقولك كلمتين مفيش غيرهم.. صالح ابننا جاب البنات هنا وهو راقد في السرير مش بيتحرك من زعل قلبه، والأطباء قالوا عنده بداية شلل نصفي من الصدمة والجلطة القديمة!” قلبي اتخلع من مكانه وصرخت: “شلل؟! صالح جراله إيه يا حجة؟! قوليلي أرجوكي!” حماتي كملت بصرامة خالية من أي رحمة: “ابني بيموت بسببك وبسبب أهلك الحرامية! وهو حلف دين يمين ما تخشي البلد ولا تشوفيه ولا تشوف البنات تاني طول ما هو حي! وأنا بكلمك عشان أقولك.. لو لسه في قلبك نقطة دين أو أصل، ابعدي عن طريق ابننا وسيبيه يموت في هدوء من غير ما تكملي عليه أنتِ وأهلك!” قفلت الخط في وشي قبل ما أرد. أنا وقفت في نص الصالة، والتليفون اتزحلق من إيدي ووقع على الأرض. صالح جاله شلل؟! صالح الجبل اللي كان شايلني وشايل بناته يقع بالطريقة دي؟! وبناتي محبوسين هناك في البلد ومش قادرة أوصلهم ولا أضمهم؟! في اللحظة دي، حسيت إن الصدمات أكلت كل الخوف اللي جوايا. مابقاش عندي حاجة أخسرها. أهلي في السجن، جوزي مريض ومشلول في بلده وبناتي محروقين من بعدي، وأنا مسجونة في وجعي! مسحت دموعي بإيدي بقوة، وبصيت في المراية.. شفت وش واحدة ثانية. مابقتش أمل الضعيفة المخدوعة اللي بتستسلم وتعيط. جمعت هدومي في شنطة صغيرة، وطلعت الأوراق والفواتير بتاعة الدهب والسبائك، وأخذت القرار اللي هيغير كل حاجة في القصة دي. مش هسيب جوزي يموت بحسرته، ومش هسيب بناتي يتسرقوا مني، ومش هسيب أختي نجلاء تتمتع بالفلوس الحرام في دبي وتضحك علينا كلنا! خرجت من البيت ورحت مباشرة على مكتب محامي كبير متخصص في القضايا الدولية والأحوال الشخصية.. دخلت مكتبه وقعدت بثبات وقوة لم أعهدها في نفسي من قبل. بصيت للمحامي وقلتله بصوت حاسم: “يا متر.. أنا عاوزة أرفع ثلاث قضايا في نفس الوقت: قضية استرداد حضانة بناتي فوراً، وقضية منع من السفر وتجميد أموال لأختي في الإمارات عن طريق النيابة العامة، وقضية تمكين من رؤية جوزي ومتابعة حالته الصحية بالقانون!” المحامي تبسم بذكاء وقال: “الكلام ده محتاج نفس طويل وفلوس وحرب قضائية ثقيلة يا مدام أمل.. هل أنتِ قد الحرب دي؟” رفعت رأسي فوق وقلت بثبات: “أنا خسرت كل حاجة يا متر.. واللي يخسر كل حاجة، مابيعملش حساب لأي حد في الدنيا غير حقه!” خرجت من مكتب المحامي وأنا حاسة إن الدم رجع يجري في عروقي بأسيد مش بمية. الخوف اتقتل، واللي بيضيع منه كل حاجة مابيبقاش عنده حاجة يبكي عليها. الأستاذ رفعت المحامي أخد صور الفواتير، وتحويلات الصرافة، وأوراق النيابة، وبدأ يشتغل على التو. “أول خطوة يا مدام أمل،” رفعت قال وهو بيظبط نظارته بثبات: “هنتحرك رسمياً عن طريق النيابة العامة بطلب للمستشار النائب العام لإخطار الإنتربول الدولي ومخاطبة السلطات القضائية في دبي لتجميد حساب أختك نجلاء وزوجها، واستصدار أمر بمنعهم من السفر وتفتيش حساباتهم البنكية. الفلوس دي طالما دخلت في غسيل أموال وسرقة، الإمارات مابتتساهلش في أمور الشرف المالي دي أبداً.” ثاني يوم الصبح، كنت في الأتوبيس المتجه للشرقية. الطريق كان طويل وناشف، بس عقلي كان بيغلي. حماتي فاكرة إنها بكلمتين وهديد بالمرض هتقفل الباب في وشي وتخليني أستسلم وأسيب بناتي يتربوا على كرهي. لا يا حجة.. أمل القديمة اللي كانت بتبكي وتستسمح ماتت في الصالة قدام المراية. وصلت قرية صالح في الشرقية، بيت عيلته كان بيت كبير من دورين في أطراف البلد. مشيت في الشوارع الترابية والعيون كلها عليا.. الناس في البلد كانوا عرفوا باللي حصل، والنظرات كانت مليانة قسوة وكلام مسموم: “أهو أخت الحرامية جت.. دي اللي ضيعت ولدنا وجابته أرضاً.” طنشت كل الهمس ده، ووصلت لباب البيت. ضربت الباب بقوة وثبات من غير ما إيدي ترتعش. بعد لحظات، فتحت حماتي.. أول ما شافتني، وشها اتغير ومسكت الباب بغل: “أنتِ إيه اللي جابك هنا يا بومة؟! مش قلتلك مالكيش مكان عندنا ومفيش دخول هنا؟!” زقيت الباب بإيدي بقوة وجرأة صدمتها، ودخلت صالة البيت وصوتي هز المكان: “أنا جاية لأجوزي وبناتي يا حجة! البيت ده يدخله القانون وتدخله أم البنات بالذوق أو بالعافية! بناتي فين؟!” حماتي صرخت وتلموا سلفاتي وأخوات صالح: “يا قلّة حياكِ! جاية تتبجحي بعد ما أهلك سرقوا الراجل وجابولوا جلطة وشلل؟! برة يا بت أنتِ!” في اللحظة دي، سمعت صوت محشر ومرتجع طالع من الأوضة الجوانية.. صوت صالح! “سيبوها.. سيبوها تدخل يا أمي.” البيت سكت تماماً. مشيت بخطوات ثقيلة ناحية الأوضة وفتحت الباب. صالح كان راقد على السرير، نصفه الشمال مابيتحركش، وشه ممسوح منه النص تقريباً بآثار الجلطة، وعينيه كانت دبلانة ومكسورة.. نور وفريدة كانوا قاعدين جنبه على السرير، أول ما شافوني صرخوا: “ماما!” وجيوا يجري يترسوا في حضني. حضنتهم بقوة، بست رؤوسهم وإيديهم، ودموعي نزلت غصب عني من الشوق والوجع. بصيت لصالح، كان باصصلي بعين واحدة صحيحة، عين مليانة وجع وكبرياء مجروح. قربت منه، وقعدت على طرف السرير، ومسكت إيده السليمة اليمين.. سحبها ببطء، بس أنا مسكت فيها بقوة وما سبتهاش. “جاية ليه يا أمل؟” صالح قالها بصوت مبشوح وتقيل، الكلمات بتخرج من بؤه بالعافية بسبب الشلل: “جاية تشوفي حسرتي؟ جاية تشوفي الجبل اللي هديتيه أنتِ وأهلك؟” بصيت في عينيه وقلت بصوت حاسم وخالي من أي ضعف: “أنا مش جاية أتأسف يا صالح، ولا جاية أستسمحك.. أنا جاية أقولك إنك غلطت في حقي زي ما أهلي غلطوا في حقك! أنا اتخدعت زيي زيك، وأنت بدل ما تسندني في الصدمة، بعتني ورميتني للكلاب وأخدت بناتي وسيبتني أموت لوحدي!” صالح غمض عينيه بتعب ودمعة حارة نزلت على خده، وقال بكسرة: “أهلك أخدوا عمري يا أمل.. أخدوا الفلوس والدهب وشقا الخليج كله.. أنا مبقتش راجل، بقيت عاجز على السرير!” “الدهب هيرجع يا صالح!” قلتها وأنا بقرب منه وبصوت هز الأوضة: “واللي أخد الفلوس هيدفع التمن، سواء حسام أو سمر أو نجلاء اللي في دبي! النائب العام أصدر قرار بإبلاغ الإنتربول، ونجلاء محاصرة هناك والفلوس هتتأمم وترجع للنيابة مصر! وأنت مش عاجز.. أنت جبل وهتقوم تقف على رجليك عشان خاطر البنات دول!” صالح فتح عينيه بذهول وصدمة: “نجلاء؟! نجلاء اللي في دبي هي اللي أخدت الفلوس؟!” “أيوة يا صالح.. التشكيل العصابي كان بقيادة أختي سمر ونجلاء، وحسام وطارق كانوا مجرد أدوات، وأمي كانت الغطاء المخدوع اللي اتضحك عليه باسم المساعدة! أهلي طلعوا رخاص يا صالح، بس أنا مش رخيصة.. وأنا مش هسيب حقك ولا حق بناتي يضيع، حتى لو هحارب الدنيا كلها!” حماتي وأخوات صالح كانوا واقفين عند الباب بيسمعوا بذهول، سلفاتي وشهوم اتغير لما عرفوا إن القضية كبرت ووصلت للإمارات والإنتربول. صالح بصلي لفترة طويلة.. النظرة اللي في عينيه اتغيرت، القسوة والكره اللي كانوا موجودين بدأوا ييدوبوا ويحل محلهم دهشة وندم مكتوم. مسك إيدي ببطء بصوابعه السليمة، وضغط عليها بصعوبة وقال: “أنتِ.. أنتِ عملتي كل ده يا أمل؟” “أنا أمل اللي حبتك وصانتك أربع سنين يا صالح.. أمل اللي كنت بتقولها ده أمان بناتنا.. أنا مابعتكش، بس أنت اللي استعجلت ورميتني.” في اللحظة دي، دخل أخوه الكبير حاج متولي الأوضة، وقال بجدية: “الكلام ده صح يا أمل؟ الإنتربول بيلحق نجلاء برة؟” طلعت من شنطتي صور أوراق النيابة وقرار المحامي وفتحتها قدامهم: “دي أوراق النيابة العامة، والتحويلات الرسمية باسم نجلاء وزوجها.. القضية بقت قضية رأي عام وغسيل أموال برة وجوة مصر. والدهب اللي اتضبط في الصاغة النيابة هتفرمه وتسلمه لصالح أول ما التحقيقات تنتهي!” الحاج متولي بص لصالح وقال: “يا صالح.. مراتك مش خاينة.. مراتك مظلومة في وسط عيلة فاسدة، واللي بتعمله ده ما تعملهوش ست بياعة.” صالح غمض عينيه ونزل رأسه على المخدة، وبكى بصوت مكتوم.. بكاء راجل صلب انكسر من الخيانة ورجع حيي من الشجاعة اللي شافها في عين مراته. وقفت وقلت للحاج متولي ولحماتي بثبات: “أنا راجعة القاهرة أتابع التحقيقات مع المحامي ومع النيابة.. البنات هيفضلوا هنا مع أباهم عشان يرعاهم ويسندوه في العلاج الطبيعي، وأنا كل أسبوع هاجي أطمن عليه وعليكم.. ولما الحق يرجع كاملاً، صالح هو اللي هيقرر إذا كنا هنبدأ من جديد ولا كل واحد يروح لحاله.” بصيت لصالح، وقلتله: “قوم يا صالح.. قوم عشان نكسر عين كل واحد طمع فينا وحسب إننا انتهينا.” خرجت من بيت أهله في الشرقية ورأسي مرفوعة فوق، سبت حماتي وسلفاتي واقفين مش عارفين يقولوا كلمة واحدة. رجعت القاهرة، وكان الأستاذ رفعت المحامي مستنيني أمام النيابة العامة بتطور جديد ومذهل. “مدام أمل!” رفعت قال وهو بيبتسم بنصر: “الشرطة في دبي ألقت القبض على نجلاء وزوجها بناءً على طلب الإنتربول المصري! وتم التحفظ على الحساب البنكي اللي فيه المبلغ بالكامل، وسيتم رحيلهم للقاهرة خلال 48 ساعة لمواجهة النيابة العامة!” قلبي دقاته ضربت زي الطبل. أختي نجلاء جاية متكلبشة من الإمارات! وفي نفس اليوم بالليل، جالي اتصال من سجن القناطر.. كان من المحامي اللي اتعين لأمي. “مدام أمل.. والدتك حالتها الصحية تدهورت جداً في المستشفى التابع للسجن، وهي بتستغيث بيكي وعاوزة تشوفك قبل ما تتعرض للعملية الجراحية، وبتقولك معاها سر خطير عن باقي المشغولات الذهبية اللي حسام مخبيها ومحدش يعرف عنها حاجة غيرها!” وقفت في منتصف الشقة المظلمة، الرياح كانت بتهب برة والشبابيك بتخبط.. السر الأخير في قصة الدهب كان على وشك يتكشف، واللحظة الحاسمة لسقوط الأقنعة بالكامل قربت جداً! نزلت المطر في الليلة دي كأن السماء بتغسل كل الخيانة والغل اللي عاش في البيوت. ركبت عربية ورحت على مستشفى السجن فوراً، قلبي كان بيدق بين ناريين: نار الوجع من اللي أهلي عملوه، ونار الإنسانية تجاه أمي اللي ذنبها الوحيد إنها عاشت عمياء ورا دلع ولادها. دخلت الأوضة في المستشفى.. أمي كانت راقدة، الأجهزة حواليها، ووشها انكمش وبقى زي الورق الأصفر العتيق. أول ما فتحت عينيها وشافتني، مدّت إيدها الباردة بتترعش في الهواء، مسكت إيدها وحسيت بقلبي بيتعصر. “أمل.. يا بنتي..” همست بصوت عامل زي فحيح الريح: “الحمد لله إنك جيتي.. أنا خلاص، وقتي بيخلص يا بنتي وربنا بيخلص ذنب صالح مني في الدنيا قبل الآخرة.” “سكتي يا أمي.. متقوليش كده،” قلتها ودموعي نزلت غصب عني. أمي ضغطت على إيدي بصعوبة وقربت رأسي منها وقالت بصوت واطي جداً: “اسمعيني كويس يا أمل.. الفلوس والسبائك اللي طارت دبي دي كوم، وفي سر تاني حسام وسمر مخبيينه عن الكل وعني أنا كمان، بس أنا عرفته بالصدفة قبل ما أتقبض عليا بيومين.. حسام مخبي شنطة قماش تانية، فيها 6 سبائك كبار وبقية الغوايش، حاططها في بلاطة متخلعة تحت السرير في شقة أبوكي القديمة في البلد.. حسام كان ناوي يهرب بيها بعد ما القضية تهدا وينسوا المحضر!” أتسمرت في مكاني. يعني حسام مكنش بس بيسرق صالح، ده كان بيلعب على أخته نجلاء وطارق وسمر كمان! كان عامل حساب كل حاجة عشان يخلع بثلثين الثروة لوحده! “روحي يا أمل.. هاتي حق جوزك وابدئي حياتك من جديد وسامحيني يا بنتي.. سامحيني.” أمي قالت الكلمات دي، وجسمها اترخى تماماً، والأجهزة بدأت تطلع صوت صفارة منتظمة ومستمرة. الدكاترة جم يجروا ودخلوا الأوضة، وأنا اتسحبت لورا ودموعي بتغطي وشي.. أمي فاضت روحها لبارئها، سابقتني لرب كريم، بعد ما سابتلي خيط الحق الأخير اللي هيقفل القضية دي للأبد. تاني يوم الصبح، كانت النيابة العامة بتشهد المشهد الأخير في الملهمة. أختي نجلاء نزلت من الطائرة جاية من دبي متكلبشة في إيد الشرطة، ودخلت سرايا النيابة ووشها في الأرض، ووراها حسام وسمر وطارق اللي جم من حجز القسم. أول ما نجلاء شافت حسام وسمر، صرخت فيهم: “يا خونا! بعتوني وجبتوني من الإمارات متكلبشة؟!” حسام رد عليها بغل: “أنتِ اللي طماعة وأخدتي الفلوس لحسابك!” في اللحظة دي، دخلت أنا ومعايا المستشار رفعت وقوة من المباحث، وكان في إيد المباحث شنطة قماش حمراء.. الشنطة اللي طلعتها قوة المباحث بالليل من تحت البلاطة في شقة أبويا القديمة بناءً على البلاغ الرسمي اللي قدمته بكرامة وصية أمي! فتح المقدم أحمد الشنطة قدام وكيل النيابة.. اللمعان بتاع الدهب والسبائك الشديد أكل ضوء الأوضة. 6 سبائك كبار، والأساور والغوايش كاملة، مطابقة بنسبة 100% للفواتير والباركوود بتاعي وبتاع صالح! وكيل النيابة بص للمتهمين الأربعة بنظرة قسوة وحسم وقفل الملف بقوة: “تم استرداد كافة المشغولات الذهبية والمبالغ المالية المهربة للخارج بالتنسيق مع السلطات الإماراتية. أُغلق التحقيق، وتُحال القضية جحيمياً إلى محكمة الجنايات بتهم التشكيل العصابي، السرقة بالإكراه، خيانة الأمانة، وتبييض الأموال!” حسام وسمر ونجلاء وطارق اتسحبوا للكلبشات وهم بيبكوا ويندبوا حظهم، الكبرياء والطمع والشر اللي كان في عيونهم اتحول لذل وكسرة.. أهلي اللي خانوني دخلوا السجن بأحكام هتقعدهم سنين طويلة ورا القضبان، يحصدوا فيها شوك الطمع اللي زرعوه في بيت ابن أصول. مرت ستة أشهر.. القاهرة كانت بتستقبل شمس يوم جديد وجميل. أنا كنت واقفة في صالة بيتنا الجديد في التجمع.. بيت هادي ونظيف، اشترينها بعد ما النيابة سلمتنا الدهب والفلوس بالكامل، وباع صالح جزء منه وفتحنا المحل والمشروع اللي كان بيحلم بيه طوال أربع سنين الغربة. سمعت خطوات ثقيلة جاية من الممر.. اتلفت وابتسمت من كل قلبي. صالح كان ماشي على رجليه! العلاج الطبيعي والإرادة والعزيمة أحيوا جسمه من جديد.. نُصفه المشلول تعافى، ورجع الجبل الأشم اللي اتجوزته وعرفته. وجنبه نور وفريدة بيجروا وبيلعبوا والضحكة مالية البيت. قرب صالح مني، وبص في عيني بابتسامة دافية، مسك إيدي الاثنين وباسهم بحب وحنان: “سامحيني يا أمل.. أنا في لحظة الغضب والعمى بعتك، بس أنتِ كنتِ الجبل اللي شالني وشال بناتي ورجعلي حقي وعمري.” بتسمت وقلتله وأنا بضم بناتي لصدري: “المهم إننا اتعلمنا الدرس يا صالح.. الغربة صعبة، بس الخيانة أصعب.. والبيت اللي بيتبنى على الصدق والحلال مفيش أي قوة في الدنيا تقدر تهده.” قفلنا باب الماضي ورا ضهرنا، وفتحنا باب حياتنا الجديدة.. صفينا الحساب مع كل اللي ظلمونا، وربنا رجعلنا شقانا وعرقنا مضاعف، عشان نعيش وسط بناتنا مرفوعين الراس.. وأمل وصالح يبدأوا حكايتهم الحقيقية من جديد. “هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”