مرات ابني حكايات امانى السيد 3

سقطت دموعي على الملاءة الباردة. لقد علمته أمه العفو والأنفة في آن واحد، زرعت فيه الكرامة دون أن تسقيه أحقادنا وأمراضنا النفسية. كانت تلك الكلمات تزيد من إحساسي بالخزي، وتجعلني أدرك كيف حرمتُ نفسي وأولادي من طهارة هذه النسبة وأصل هذه المرأة الذي كنتُ أزعم أنه ضعيف وزهيد.

وفي أواخر ذلك الشهر، وردت إلينا أخبار من الصعيد تخص ابني الوسطاني. كان يعيش هناك في بلدة بعيدة، يعمل في أحد مصانع الطوب براتب ضئيل جداً، ينام في مكان ملحق بالمصنع، ويقتطع أكثر من نصف أجره ليرسله شهرياً بحوالة بريدية باسم زوجته السابقة لتنفق منها على أطفالهما. لم يكن يرسل لنفسه شيئاً، ولم يكن يحتفظ سوى بما يقيم أوده من طعام يابس ثمنه قروش معدودة.

علمنا من أحد معارفنا الذي زاره هناك أنه أصبح رجلاً آخر؛ انحنى ظهره، وشاب شعره بالكامل رغم أنه لم يتجاوز أواسط الأربعينيات من عمره، ولا يتحدث مع أحد على الإطلاق. يقضي يومه بين النار والتراب في المصنع، وفي الليل يكتفي بالجلوس على مصلى صغير يبكي ويدعو الله أن يغفر له تقصيره في حق زوجته وولده.

حين سمعتُ ذلك، شعرتُ وكأن س\كينة حامية تغرس في قلبي. أنا من صنعتُ هذا المصير بيدي! أنا من دمرتُ حياة هذا الابن الذي كان أكثر أولادي برّاً بي وأكثرهم طيبة وحياءً. استغليتُ طاعته وحياءه لتسخير زوجته وجعلها جارية تحت أقدام سلايفها، حتى دفعته في النهاية ليخسر بيته وزوجته ونفسه.

استجمعتُ ما بقي فيّ من قوة، وطلبتُ من ابن الأكبر حين دخل عليّ ليلًا أن يحضر لي هاتفه القديم المتهالك. أردتُ أن أسمع صوت ابني الوسطاني، أردتُ أن أترجاه ليعود، علّ وجوده يرمم ما تبقى من هذا البيت المنهار.

اتصلنا بالرقم الذي أخذناه من صاحبه في الصعيد. أتاك الصوت من الطرف الآخر بعيداً، خافتاً، ومصحوباً بسعال حاد يمزق الصدر.

“أهلاً يا بني… كيف حالك يا حبيبي؟” قلتها وأنا أبكي بصوت مسموع.

سكت لثوانٍ، ثم قال بنبرة جافة خالية من الأمل: “أنا بخير يا أمي… كيف حال صحتكِ أنتِ؟ هل ينقصكِ شيء؟”.

قلتُ له والتوسل يحرق لساني: “ارجع يا بني… ارجع إلى بيتك وأمك. أنا مريضة ولا أعلم كم بقي لي من العمر. تعالَ ورمم بيتك، زوجتك سامحتني، وابنك يزورني كل يوم. تعالَ واطلب منها أن تعود إليك، علّ الله يجمع شملكم من جديد وتعود البركة لهذا البيت المفجوع!”.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *