مرات ابني حكايات امانى السيد 3
تنهد ابني الوسطاني تنهيدة طويلة شعرتُ بلهيبها عبر الهاتف، ثم قال بكلمات كانت أشد قسوة من كل الحجارة التي يحملها في عمله: “لا أستطيع العودة يا أمي… أنا لا أستحق تلك المرأة، ولا أستحق أن أكون أباً لهذا الولد الصغير الذي وقف ينظر إليّ وأنا عاجز عن حمايته. المكان الذي دمرتُ فيه كرامة زوجتي لا أستطيع أن أطأه بقدمي مرة أخرى. عيشي أنتِ فيما تبقى لكِ من أيام، وادعي لي أن يسامحني الله، أما بيتي القديم فقد مات يوم أن تركنا زوجتي تبكي في الصمت وتغسل أوساخ الجميع كي ترضى عنها العائلة”.
ثم أغلقت المكالمة. كان كلامه بمثابة الستار الذي أُسدل على أي أمل في إصلاح ما انكسر. لقد جفت المياه في مجاريها، وتحجرت القلوب، ولم يعد للندم قدرة على إعادة الزمان إلى الوراء.
في الأسابيع التالية، أصبحت العمارة مهجورة كلياً إلا مني ومن زوجة الابن الوسطاني وطفليها. الشقق الأخرى أُغلقت أبوابها بالسلاسل، وتراكمت على أعتابها الأتربة وخيوط العنكبوت، كأنها شواهد قبور تشهد على كبرياء زائف ودناءة نفس أوردت أصحابها المجهول.
وفي أحد أيام الجمعة، اشتدت عليّ آلام الموت. كنتُ أشعر ببرودة تسري من أطراف قدمي ونحو صدري. لم يكن بجانبي أحد من أبنائي؛ فالأكبر كان يختبئ من الشرطة، والأصغر كان ينام في ورشته، والوسطاني بعيد في غربته الكئيبة.
رن صوت أذان الجمعة من المسجد المباشر للشارع. وفي تلك اللحظة، فُتح باب الغرفة برفق. دخلت زوجة الابن الوسطاني، وكانت تحمل مطهرة ومجموعة من الأغطية النظيفة. تقدمت مني دون أن تتكلم، بلست وجهي بالماء، وأخذت تلقنني الشهادة بصوت ناعم خاشع.
نظرتُ إليها وأنا أصارع الرمق الأخير. كانت دموعها تنزل على خدها، ليست دموع حزن على أم زوج ظالمة، بل دموع رحمة وإنسانية على امرأة تموت وحدها دون أن تجد أحداً من أولادها الذين فضلتهم عليها وظلمت الخلق لأجلهم.
أردتُ أن أتكلم، أردتُ أن أقول لها كلمتي الأخيرة، أن أطلب منها أن تدعو لي بالرحمة ولا تدع ذنبي يحول بيني وبين مغفرة ربي، لكن لساني كان قد ثقل. هززتُ رأسي وأنا أقبض على يدها الدافيء، واستسلمتُ للنهاية وأنا أرى وجهها النقي وهو ينحني عليّ ليشهد على أن المرأة التي أردتُ أن أراها صغيرة وخادمة، كانت هي الوحيدة التي أكرمني الله بها لتمسح وجهي وتلقنني الشهادة في سكرات موتي.