مرات ابني حكايات امانى السيد 3
مرّت أشهر الشتاء ثقيلة كئيبة، وشخصت عيناي نحو السقف الأبيض المتهالك في غرفتي. أصبح ذلك السقف هو كل عالمي، أراقب تشققاته التي تشبه تماماً التشققات التي أصابت هذه العائلة وتسببت في اندحارها. لم يبقَ من جلال العز القديم سوى الصدى، وشبح الذكريات التي تطاردني في كل لحظة أغمض فيها جفنيّ.
صار ابني الأكبر يتردد على البيت كاللص المذعور، يتسلل في منتصف الليل، يفتح الباب بهدوء حذر، يطمئن أن أحداً من الدائنين أو رجال الشرطة لا ينتظره على السلم، ينظر إليّ بنظرات ملؤها الانكسار والضياع، يأكل كسرة خبز يابسة، ثم ينام على الأرض بجوار سريري دون أن ينبس بكلمة. أما ابني الأصغر، فقد هجر الشقة كلياً وانتقل للعيش في غرفة ملحقة بورشة صغيرة يعمل فيها براتب زهيد، بعدما استولت مطلقته على معظم دخله كنفقة لأطفاله، وصار يستحي حتى من المرور بالشارع الذي يقع فيه بيتنا.
في الطابق السفلي، كان الوضع مختلفاً تماماً. كانت زوجة الابن الوسطاني تعيش في هدوء وس\كينة، تحيط طفليها برعاية لا مثيل لها. لم تستغل الشقة التي أخذتها بالقانون لتستعرض أو تنتقم، بل حافظت على نضارتها ونظافتها كما كانت تفعل دائماً. كان ابنها الصغير، الذي كان يبكي يوماً مظلوماً ومكسور الخاطر، قد استعاد عافيته ونشاطه، وصار يذهب إلى مدرسته كل صباح وهو يحمل حقيبته بكرامة ومرفوع الرأس، بعدما زال عن عقله الصغير وهم أنه “ابن الخادمة”.
كان ذلك الصغير ينزل السلم كل يوم في الساعة الثانية ظهراً، يحمل بين يديه طبقاً ساخناً أعدته أمه خصيصاً لي. يدخل الغرفة بخطوات متريثة، يضع الطبق على الطاولة المجاورة لسريري، ويجلس على الكرسي الخشبي ليطمئن عليّ.
في الأيام الأولى، كنتُ خجلة من النظر في عينيه. كنتُ أرى فيه وجه أبيه، وأرى فيه آثار الجرح الذي تسببتُ فيه بكبريائي وحماقتي. قلتُ له بصوت خفيض ونبرة متحشرجة في أحد الأيام: “هل ما زلتَ زعلان مني يا بني؟ هل ما زلتَ تظن أن أمك…”.
قطع الولد كلامي بهدوء لم أعهده في أطفال عائلتنا، وقال بنبرة تتعدى سنين عمره الصغير: “أمي قالت لي ألا أزعل منكِ يا جدتي. قالت لي إنكِ مريضة وكبيرة في السن، وإن الله يسامح من يستغفر. وأمي ليست خادمة، أمي هي السيدة التي تنظف بيتنا وتصلي وتدعونا لنكون محترمين. أنا لا أكرهكِ يا جدتي، لكنني لا أريد أن أعود إلى الشقة العليا أبداً”.