٨٠ فدان 2 انجى الخطيب
بعد مرور سنتين، مريم بقت معروفة في المحافظة بـ “ست الكل”، الاسم اللي خلى الفلاحين والعاملين في الأرض يحترموها مش بس لأنها صاحبة العزبة، لكن لأنها بقت سند ليهم. الشركة اللي كانت “مجموعة إحسان” وبقت “مؤسسة الحاج سيد”، بقت بتصدر محاصيلها لأوروبا، ومريم ما بقتش بس مزارعة، بقت سيدة أعمال بتدير إمبراطورية زراعية بأيد من حديد وقلب رحيم.
في يوم، وهي في مكتبها اللي بيطل على العزبة، دخل عليها المحامي بملف جديد. بصلها بتردد وقال: “مريم هانم، أيمن بيبعت جوابات من جوه السجن.. طالب يقابل حضرتك.”
مريم سابت القلم من إيدها، وبصت للشباك بهدوء. أيمن اللي كان ببدلته وشياكته، بقى دلوقت رقم في سجلات السجون، بيعيش على أمل إنها ممكن “تسامح”. ضحكت مريم ضحكة خفيفة، مش سخرية، لكن استيعاب لمدى عبثية اللي فات.
ردت بهدوء: “ارجع قوله إن مريم اللي كان بيعرفها ماتت يوم ما اتقفل عليها باب المخزن. والـ 50 فدان اللي كان عايزهم عشان يستر شركته، دلوقت هما اللي بيصرفوا على آلاف الأسر. هو كان فاكر إنه بيسرق أرض، بس هو في الحقيقة كان بيسرق لنفسه مصيره، وأنا استرديت حياتي.”
المحامي مشي، ومريم قامت وقفت قدام مرايتها. شافت ست ملامحها قوية، فيها ندبات التجربة بس مفيش فيها انكسار. حطت إيدها على رقبتها، الدلاية الفضة لسه موجودة، بس بقت جزء منها، مش مجرد حتة معدن.
خرجت للبلكونة، شافت العمال بيحصدوا المحصول الجديد، أصواتهم كانت مليانة حيوية. مريم شافت في وسطهم راجل عجوز، كان بيشتغل مع جدها زمان، رفع إيده وبصلها بابتسامة فخر، إشارة منه إنها فعلاً بقت “حفيدة الحاج سيد” اللي الكل بيتشرف بيها.
مريم أخدت نفس عميق، الجو كان جميل، الشمس كانت بتغيب كالعادة، بس المرة دي كانت بداية مش نهاية. مشيت ناحية العربية، قررت تروح تزور تربة جدها. وصلت هناك، قعدت قدام القبر، وطلعت الدلاية الفضة وفتحتها، وحطت جوه تجويفها صورة صغيرة للأرض وهي خضراء ومزدهرة.
قالت بصوت واطي ومسموع ليها هي بس: “أنا عملت اللي قولت عليه يا جدي، لا خنت الأرض، ولا سمحت لحد يكسرني.”
قامت مريم، مسحت دموعها اللي نزلت من غير ما تحس، وركبت عربيتها. الطريق كان مفتوح، مفيش وراها أي سجون، ومفيش قدامها غير طريقها اللي هي اختارته بنفسها، طريق منور بالعدل والشغل، طريق مفيش فيه “مفاتيح” تانية غير مفتاح نجاحها اللي محدش يقدر ياخده منها أبداً.
………
مريم دارت العربية، وفجأة لمحت في مراية الصالون عربية سوداء ماشية وراها بمسافة ثابتة من ساعة ما خرجت من الجبّانة. قلبها دق دقة سريعة، بس مش خوف.. ده كان إحساس بالخطر اللي اتعودت عليه وفهمت لغته. زودت سرعتها شوية، العربية التانية زودت وراها. ابتسمت مريم بمرارة، وقالت لنفسها: “الماضي لسه بيحاول يلحقني، بس أنا مش مريم بتاعة زمان”.
دخلت مريم طريق فرعي ممهد بيؤدي لمخزن قديم تابع للمؤسسة، مكان هي مجهزاه لكاميرات المراقبة، ومكالماتها متسجلة لحظة بلحظة مع مدير أمن المؤسسة. دخلت المخزن، العربية السوداء وقفت قدام الباب ونزل منها راجل لابس لبس غامق، ملامحه حادة، مش أيمن طبعاً، ده كان “محامي” تاني من بتوع “إحسان”، لسه بيحاولوا يلعبوا في الوقت الضايع.
نزل الراجل من عربيته وهو بيحاول يمثل الهدوء، لكن مريم نزلت من عربيتها وهي ماسكة تليفونها وبتبص له بثقة: “لو جاي عشان العفو أو التنازل، وفر مجهودك. ولو جاي بتهديد، فخليني أقولك إنك قدام الكاميرات اللي بتبث مباشر لكل تحركاتك لأمن الدولة.”
الراجل اتجمد في مكانه، وبص للكاميرات اللي بتلمع فوق الباب. مريم كملت وهي بتقرب منه خطوة: “أنا مريم اللي جدها علمها إن اللي بيخاف، بيفضل محبوس. أنا اتحبست 7 أيام في ضلمة، اتعلمت فيها إن اللي بيحفر حفرة لغيره، هو أول واحد بيقع فيها. ارجع للي بعتك، وقولهم إن مريم دلوقتي مش بس معاها الأرض، مريم معاها القانون، ومعاها درع الحماية اللي هما نفسهم مكنوش يحلموا بيه.”
الراجل ركب عربيته بسرعة وهرب، ومريم وقفت في صمت، بتراقب غبار عربيته وهو بيختفي. حست وقتها إنها فعلاً بقت حرة، مش بس من زوجها أو حماتها، لكن من أي ظل ممكن يلاحقها.
رجعت العزبة، قعدت في مكتبها، وفتحت درجها وطلعت الدلاية الفضة، وبدأت تكتب مذكراتها. مريم قررت إن قصتها لازم تتكتب، عشان تكون درس لكل ست في مصر، إن كرامتها وأرضها وحقها هما خط الدفاع الأول. مع كل كلمة بتكتبها، كانت بتحس إن الجرح اللي في روحها بيلم، وإن الشخصية اللي كانت محبوسة في ضلمة المخزن، بقت هي الشمس اللي بتنور طريق غيرها.
قفلت التليفون، رمته على المكتب، وفتحت الشباك على آخره. الهوا كان معبي ريحة الأرض، ريحة الحياة اللي هي صنعتها بإيديها. مريم غمضت عينيها، مفيش سجون، مفيش تهديدات، مفيش غيرها هي.. مريم، اللي اتحولت من “ضحية” محبوسة، لـ “ملكة” على أرضها. خلصت القصة، وبدأت حياتها الحقيقية، حياة مفيش فيها أي “قفلة قفل” تانية، غير قفلة الباب على الماضي اللي انتهى خلاص.
……….
بينما مريم بتكتب آخر سطر في مذكراتها، وقعت عينيها على جواب قديم مبعوت من “ريهام” من قلب السجن. الجواب كان مكتوب بإيد مهزوزة، مريم فتحته ببطء؛ كان فيه اعتراف كامل بتفاصيل تانية مكنتش مريم تعرفها عن خطة إحسان وأيمن، اعترافات بتورط أشخاص نافذين كانوا بيحاولوا يغسلوا أموالهم عن طريق أراضي “الحاج سيد”.
مريم مسكت الجواب، حست بمسؤولية جديدة. الموضوع مابقاش مجرد “تار” شخصي بينها وبين أيمن، الموضوع بقى قضية رأي عام وهتفتح ملفات فساد كبيرة. مريم اتصلت بالمحامي بتاعها، وبصوت هادي ومسموع قالت: “جهز ملفاتك، الجواب ده مش هيخلي أيمن بس اللي يتحاكم، الجواب ده هيوقع ناس تقيلة كانت فاكرة إن الأرض دي حقل تجارب ليهم.”
المحامي سكت شوية، وبعدين قال بقلق: “يا مريم هانم، اللي بتفكري فيه ده طريق خطر جداً، الناس دي مش سهلة وممكن يعملوا أي حاجة عشان يوقفوا القضية دي قبل ما تخرج للنور.”
مريم قامت وقفت، بصت لشمس العصر وهي بتلمس حبات القمح الذهبية في أرضها، وقالت بصوت مليان إصرار: “أنا جربت الحبس، وجربت الجوع، وجربت أكون في مواجهة الموت والضلمة، ومن يومها مابقتش أخاف من حد. اللي دفع تمن حياته كرامته، مش هيخاف تاني.”
في اللحظة دي، دخل عليها كبير العمال، “عم صالح”، بابتسامة طيبة، وقالها: “يا مريم يا بنتي، الأرض دي شافت كتير، بس عمرها ما شافت حد زيك.. إنتي رجعتي للأرض روحها، والناس اللي وراكي دي كلها هتبقى درعك.”
مريم بصت لعم صالح، وللعمال اللي واقفين بعيد بيطمنوا عليها، حسّت إنها مش لوحدها. القصة اللي بدأت بمخزن ضلمة ومحاولة سلب حق، بقت ثورة ضد الظلم، وبقت حكاية “مريم” اللي وقفت ضد الكل وخرجت منتصرة.
مريم قفلت ملف مذكراتها، وحطت الدلاية الفضة حوالين رقبتها مرة تانية، وخدت قرارها: “مش هسكت، والعدل اللي بدأته لازم يكتمل، مش عشاني، لكن عشان كل ست اتظلمت وكانت فاكرة إنها ضعيفة.”
خرجت مريم من المكتب، والريح بتلعب في طرحتها، وبخطوات ثابتة ومؤمنة، مشيت ناحية الطريق اللي بياخدها للمواجهة اللي جاية، وهي عارفة إنها مهما واجهت، هي خلاص اتعلمت إزاي تكسر كل قفل، وأي باب مقفول قدامها، هي اللي معاها مفتاحه.
……..
مرت سنة تانية، والسنة دي كانت “سنة الحصاد” بجد. مريم سلمت كل المستندات والاعترافات اللي وصلتها من ريهام للجهات الرقابية، وبدأت موجة تحقيقات هزت كيانات كبيرة كانت مستخبية ورا نفوذها. مريم بقت رمز، مش بس في بلدها، لكن في كل حتة وصلت لها حكايتها، بقت نموذج للست اللي قدرت تسترد حقوقها وتفك قيودها بذكائها وصبرها.
في يوم ربيعي مشمس، مريم واقفة في وسط أرضها، الأرض اللي بقت أوسع بكتير بعد ما استردت أجزاء تانية كانت مبيوعة بالتحايل. ريحة الأرض مبلولة بـ “مية النيل” كانت بتطمنها، وبتحسسها إن جدها كان راضي عنها من مكانه.
تليفونها رن، كان المحامي، صوته كان مختلف، نبرة فرحة غير معتادة:
— مريم هانم، مبروك. المحكمة أصدرت أحكام نهائية بتصفية كل أصول المجموعة القديمة لصالح الدولة والمؤسسات الخيرية، وأيمن وإحسان صدر عليهم حكم إضافي بمصادرة كل ممتلكاتهم الشخصية تعويضاً عن الأضرار اللي لحقت بيكي.
مريم ابتسمت، ابتسامة هادية جداً، المرة دي مكنش فيها مرارة. ردت ببساطة:
— شكراً يا أستاذ، بس أنا مكنتش مستنية التعويض، أنا كنت مستنية العدل.
قفلت التليفون، وبصت للسما. في اللحظة دي، حست بتقل اختفى من على كتافها، كأن السبع أيام اللي قضتهم في المخزن اتغسلوا بسبع سنين من العزة والنجاح. تمشت بين زرعها، وقابلت “ريهام” اللي كانت طالعة من السجن بعد ما خدت فترة عقوبتها وتعاونت في التحقيقات. ريهام كانت واقفة بعيد، باصة للأرض بنظرة انكسار، مريم قربت منها، ورغم كل اللي حصل، مريم مدت إيدها بالسلام.
ريهام بكت بحرقة:
— ليه بتعملي كده؟ أنا كنت شريكة في اللي حصلك..
مريم بصت لها وقالت بنبرة فيها نضج السنين:
— لأن اللي اتعلمته في الضلمة مش الحقد، اتعلمت إننا كبشر بنغلط وبندفع تمن غلطنا. أنا عدت صفحتي، وانتي كمان محتاجة تبدأي صفحة جديدة.. الأرض دي يا ريهام بتطرح خير، مش كره.
مريم سابتها ومشيت، وطلعت الدلاية الفضة من رقبتها، بصت فيها لآخر مرة، حست إن مهمة “ورقة الشجر” خلصت، وإنها مابقتش محتاجة لتميمة حظ، لأن إيمانها بنفسها بقى هو اللي بيحميها.
في المساء، مريم قعدت في بيتها الجديد، بيت بسيط هادي بيطل على العزبة، فتحت مذكراتها اللي بقت رواية عن القوة، وكتبت الجملة الأخيرة:
“انتهت الحكاية، مش بس بالانتصار على الظالمين، لكن بالانتصار على خوفي. أنا مريم، اللي كانت محبوسة في ضلمة 7 أيام، ودلوقتي هي اللي بتنور طريقها.. الحرية مش إنك تفتح باب مقفول، الحرية هي إنك متسمحش لحد تاني إنه يقفله في وشك.”
قفلت الكراسة، طفت النور، ونامت لأول مرة من سنين نومة عميقة، من غير كوابيس، ومن غير أصوات قفل، لأنها بقت هي القوة، وهي المفتاح، وهي صاحبة الأرض.. وصاحبة العمر اللي جاي.
تمت
حكايات انجى الخطيب