تنضيف الشقه حكايات روماني مكرم3
سعاد رفعت رأسها ببطء، وبصت للحاجة فاطمة بنبرة فيها عتاب حنون وصوت طالع بالعافية:
“إيه اللي بتقوليه ده يا حاجة فاطمة؟ حسين أخويا.. ومحمود الله يرحمه كان روحي وعمري، أنا ما فكرتش في الجواز ولا دخلت عقلي الفكرة دي من يوم ما انكسر ظهري بموته.”
الحاجة فاطمة قربت منها، مسكت إيدها وحطتها بين إيديها الاثنين وقالت بصوت مليان حكمة وأمومة:
“عارفة يا بتي.. وعارفة إنك صنتي ودادي وداد المرحوم. بس الظروف اتغيرت، وحسين أهو قاعد معانا ومش راجع الغربة تاني، والعيال محتاجين ضل راجل يربيهم ويقف جنبهم وهما بيكبروا. حسين مش غريب يا سعاد.. حسين لحمهم ودمهم، وأولى الناس بيكم، وأنتِ أنضف وأصين ست ممكن تدخل بيته وتصون اسمه.”
حسين كان واقف، يبص لسعاد ولأمه. اتنفس نفس عميق، وخطى خطوتين ناحية أمه وسعاد، وقال بصوت هادي، فيه كل معاني الرجولة والاحترام:
“سعاد.. أمي عندها حق في خوفها على العيال وعلى لمّة البيت، بس أنا مش هفرض عليكي حاجة ولا أطلب منك حاجة تغصبك. أنتِ مرات الغالي، وأختي الشريفة اللي شالت اسم أخويا فوق رأسها. لو وافقتي، فده شرف ليا، وهكون للعيال أب وسند قبل ما أكون عم، وهتكوني في بيتي معززة مكرمة، رأسك مرفوعة ومحدش يمس كرامتك بكلمة طول ما أنا حي على وش الأرض. ولو رفضتي وفضلتي على حالك، فحقك وحق العيال محفوض ومسجل، وهتفضلي أختي وعلى رأسي من فوق.”
سعاد بصت لحسين، شافت في عينيه صدق محمود ورجولته القديمة، شافت حنية العم اللي وقف وقاتل عشان أيتام أخوه، وشافت راجل يصون وما يخونش. بصت لأحمد ومنى وهما بيلعبوا في الصالة، وافتكرت المُر اللي شافته والأيام الصعبة اللي عدت عليها وهي لوحدها.
سعاد بلعت دموعها، وهزت رأسها بابتسامة رضا مكسورة، وقالت بصوت خافت بس مليان يقين:
“اللي تشوفيه يا حاجة فاطمة.. أنا سلمت أمري لله، وحسين راجل وسند، وأنا عارفة إنه مش هيظلم عيال أخوه أبداً.”
الحاجة فاطمة زغردت زغروتة هزت جدران البيت، وفتحت أذرعها وضمت سعاد لحضنها، وحسين ابتسم ابتسامة راحة صافية، كأن غمامة التعب والظلم اتزاحت عن البيت للابد.
بعد شهر واحد..
كان بيت العيلة متزوق ومضيء بالنور. اتعمل كتب الكتاب في جو عائلي هادي، بحضور كبار الحارة والجيران اللي باركوا الجوازة وشهدوا إن الله يعوض الصابرين.