تنضيف الشقه حكايات روماني مكرم
سعاد ما مشيتش على بيتها. كانت رجليها سايقاها لنفس الحارة، بس على البيت الكبير.. بيت “الحاجة فاطمة”، حماتها وأم المرحوم محمود، وأم حسين المسافر.
دخلت سعاد بيت العيلة.. ريحة بخور الجمعة القديم، والحصيرة المفروشة في الصالة، والحاجة فاطمة قاعدة على دكتها الخشب، ماسكة سبحتها وبيبان على وشها التجاعيد اللي شايلة هموم الدنيا.
أول ما شافت سعاد وشها أصفر، وهدومها مبلولة ومتبهدلة بالتراب، وقفت بخضة:
“مالك يا سعاد؟ في إيه يا بت؟ العيال جرالهم حاجة؟”
سعاد قعدت على الأرض عند رجل حماتها، ومقدرتش تمسك نفسها.. انفجرت في العياط. عياط مكتوم، يقطع القلب.
“الحقيني يا حاجة فاطمة.. أنا اتهنت في بيت ابنك. أنا اتسحلت تلات أيام عشان أروق شقة أميرة، وفي الآخر ترميلي 600 جنيه، وتقولي أنتِ هتشحتي؟”
الحاجة فاطمة شهقت وحطت إيدها على صدرها:
“بتقولك تشحتي؟! أميرة تقولك كده يا سعاد؟ وأنتِ مرات المحروم أخو جوزها؟”
قعدت سعاد تحكيلها بالتفصيل.. عن الشغل اللي يهد جبال، عن السجاد اللي غسلته على السطوح في عز الشمس، عن الستاير اللي فكتها وغسلتها وركبتها، وعن ولادها اللي سابتهم باليومين على جبنة قريش وفينو بايت، وفي الآخر الإهانة والكسرة.
الحاجة فاطمة وشها جاب ألوان، وعيونها ولعت نار. قامت وقفت برغم ثقل جسمها ورجلها اللي بتوجعها، ومسكت عصايتها الخشب وضربت بيها الأرض:
“والله ما هعديهالها! البت دي فاكرة نفسها إيه؟ فاكرة إن حسين لما سافر وجاب الكرشين دول بقى يملك الدنيا؟ نسيت أصلها ونسيت إن جوزك الله يرحمه هو اللي عمل لحسين قيمة ورجولة؟”
سعاد هزت راسها ودموعها نازلة:
“أنا مش زعلانة عشان الفلوس يا حاجة.. أنا زعلانة عشان الكرامة. وعشان حسين أخو جوزي اللي رمى حمولنا ومسألش في العيال من يوم ما أخوه اندفن.. ولا حتى بيفرّط في جنيه لولاد أخوه.”
هنا، الحاجة فاطمة مشيت ناحية الدولاب القديم بتاعها. فتحت درج مقفول بمفتاح صغير كان متعلق في رقبتها، وطلعت أجيندة صغيرة جلدها ممسوح من كتر المسك. قلبت فيها بإيدها اللي بترتعش، وطلعت ورقة مطوية.
بصت لسعاد وقالت بصرامة:
“خد يا سعاد.. ده رقم حسين الجديد في السعودية. الرقم ده محدش يعرفه غيري.. حتى أميرة مراته ما تعرفوش، لأنها كل ما تطلب منه فلوس يغير الرقم ويقولها الشبكة ضايعة عشان هي طماعة وبتصرف الفلوس في الهيايف.”