تنضيف الشقه حكايات روماني مكرم
حسين اتحرك في أوضته هناك في الغربة، حس بنغزة في قلبه، بس حاول يدافع عن نفسه ويقلب الطاولة:
“جرى إيه يا سعاد؟ هو أنا قصرت معاكم في حاجة؟ ما أنا عارف إن الدنيا مستورة والأيام بتعدي، وبعدين أنا هنا مطحون في الغربة مش بقعد، وبحول لـ ‘أميرة’ الفلوس مصاريف البيت أول بأول، وهي أكيد مش بتبخل عنكم بحاجة، دي شقتكم فوق بعض!”
هنا سعاد ما قدرتوش، وضحكت ضحكة مكسورة مليانة مرار، ضحكة هزت كيان حسين من ورا السماعة:
“بتبخل؟ أميرة مراتك مش بتبخل بس يا حسين.. أميرة مراتك سحلتني تلات أيام في شقتها! تلات أيام طالعة نازلة تنفيض ومسح وغسيل سجاد وستاير، وهد ضهر من صباحية ربنا لمغربها، عشان أسترزق وأعرف أطعم عيالك اليتامى اللي مالهمش عائل. وتعرف في الآخر رمت لي إيه؟ رمت لي 600 جنيه! ولما قلت لها ده قليل على سحلة تلات أيام والشقة كانت متبهدلة، صرخت في وشي وقالت لي: ‘أنتِ هتشحتي ولا إيه؟ مفيش جنيه تاني!’.”
الصمت نزل على الخط زي الصخرة. حسين اتسمر في مكانه. الكلمة نزلت عليه كأن حد ضربه على وشها بحديد.
“أميرة… قالت لك كده؟ وقالت لك هتشحتي؟”
سعاد صوتها بدأ يعلى والوجع يطلع من حشرجته:
“أيوه قالت لي! وقالت لي شغل البيت شغل، ومحدش بياخد كدا، ونسيت إن محمود الله يرحمه هو اللي عمل لحسين قيمة ورجولة، وهو اللي كان شايلك وشايل بيتك يوم ما كنت مش لاقي تأكل! نسيت إن عيال محمود دول يتامى، وإنك عمهم، يعني مكان أبوهم! المفروض تحن عليهم مش تسيب مراتك تعايرني بفقري وتديني حسنة كأني خدامة عندها!”
حسين مسح وشها بإيده اللي بترتعش. شريط كامل اتعرض قدام عينيه؛ افتكر محمود أخوه الكبير لما كان بياخد من قوته ويديه، افتكر لما كان بيقف جنبه في كل أزمة، افتكر وصية محمود قبل ما يموت بأيام لما قاله: “حسين.. العيال وسعاد في رقبتك يا خويا، لو جرالي حاجة متخليش حد يكسرهم.” حس حسين بكسرة نفس رهيبة، خجل قاتل من نفسه ومن أخوه اللي تحت التراب.
حسين اتكلم ونبرة صوته اتغيرت تماماً، بقى فيها ندامة ووجع حقيقي:
“حقك عليّ يا سعاد.. وحق محمود فوق راسي. وحياة طول عمري وغربتي دي، الكلمة دي مش هتعدي. أنا مش عارف أقولك إيه.. أنا اتعميت، وثقت في أميرة وسلمتها كل حاجة، وكنت فاكرها بتوصلكم حَقكم وبتسأل عنكم، طلعت أعمى ومغفل!”