حكاوى شيمو3
مرّ الشهرين الخامس والسادس عليّ زي الساقية اللي مبتدورش غير على رقبتي. الشغل الصباحي في الشركة والمسائي في المطعم هدّوا حيلي، بس الجلد المتشقق في إيدي بقى بالنسبة لي وسام شرف.. كان بيفكرني كل يوم إني بمسح ذنب أنانيتي وغروري.
لكن المحنة الحقيقية جت من المكان اللي مكنتش متوقعه.. من بيتي أنا.
أمي عرفت بالصدفة إني شغال شغلانة ثانية وبجمع فلوس عشان أسدد ديون أهل نور، وعرفت بالقصة كلها بعد ما الجيران نقلوا لها كلام القهوة القديم والمشادة اللي حصلت. أمي قامت الدنيا وما قعدتهاش، وصوتها جاب آخر الشارع:
* “إنت هتبوس جزمهم عشان ينولوا رضاك؟! ينزلوا من كرامتك ويتشرطوا عليك ست شهور وإنت رايح تشتغل خدام في المطاعم عشان ترضيهم؟ البنات على قفا من يشيل، وألف مين تتمنى ظلك يا حازم! والله لو رجعت للبنت دي ولا دخلت البيت ده تاني، لا أنا أمك ولا أعرفك ليوم الدين!”
وقفت قدام أمي ومسكت إيدها وبستها وقلت لها بكسرة وثبات:
* “يا أمي إنتي مبتشوفيش اللي أنا عملته.. ابنك كان جلف ورخيص وجرح ناس طيبين في كرامتهم. أنا برجع حق ناس أكرموني في بيتهم وأنا دست على كرمهم بجزمتي. لو مرجعتش كرامتهم وكرامتي قدام نفسي، عمري ما هكون راجل أقدر أحميكي أو أحمي بيتي في يوم من الأيام.”
البيت بقى عبارة عن حلبة مصارعة، أمي مقاطعة كلامي، وأخواتي بيبصوا لي باستغراب، وأنا واقف في النص بين برّي بأمي وبين العهد اللي قطعه قدام نفسي ورجولتي قدام عم أحمد.
وفي وسط كل الضغط ده، وقبل انتهاء المهلة بأسابيع قليلة.. بدأت ألاحظ حاجة غريبة.
كنت أخرج من المطعم الساعة 2 بالليل، ألاقي نفس التوك توك واقف على أول الشارع. المرة الأولى مأخدتش بالي، لكن لما اتكررت، قفزت على السائق وسألته بحزم:
* “إنت مين وبترقبني ليه كل يوم؟”
السائق اتخض وقال بلهفة:
* “والله العظيم يا أستاذ حازم ما برقبك! الأستاذة نور هي اللي مأجراني باليومية.. قالت لي أقف استناك لما تخلص شغلك في المطعم، وأمشي وراك من بعيد لحد ما توصل لبيتكم بالسلامة، عشان المنطقة هنا مقطوعة وبالليل متأخر!”
وقفت في الشارع والدموع اتجمعت في عيني. نور.. نور اللي أنا جرحتها وكسرتها، كانت خايفة عليا وأنا راجع في نص الليل تعبان! كانت بتطمن عليا من بعيد لبعيد من غير ما تحسسني ولا تكسر الكلمة اللي أبوها قالها!