ابني مالك حكايات زهرة حصري
“يعني إيه مش في أوضته؟ أنا مديّاه إيدي وميمّماه قبل ما تمشي!”
بدأنا ندور في البيت زي المجانين، لحد ما لمحت باب البلكونة المقفول، والجزامة اللي جنب باب الشقة.. جزامة مالك كانت مفتوحة، وكوتشيه الصغير مش موجود! في اللحظة دي، افتكرت أمي.. افتكرت نظراتها المذعورة وهي بتزنق نفسها في العربية، وافتكرت مسكتها في قميصي وإيدها اللي بتشاور على الكرسي الورااني وعلى الباب وهي بتصرخ بصوت مكتوم!
دمي اتجمد في عروقي. اللغز اتفك في عقلي في ثانية واحدة.. أمي مكنتش بتترجاني عشان ما أرميهاش.. أمي كانت بتقولي إن ابني معايا! إنه استخبى في العربية ونزل ورايا في المطر!
صرخت في سارة بصوت هز أركان البيت: “أمي كانت بتفهمني! الولد نزل ورايا عند البيت القديم! الولد ضاع في الضلمة والمطر!”
سارة وشها أصفرّ وبدأت تصرخ وتلطم على وشها: “ابني!! يا سيف ابني لو جرى له حاجة هم.وت!”
طلعت أجري زي المجنون، وركبت العربية وسارة ورقت معايا وهي بتبكي وبتصرخ. الشوارع كانت غرقانة مية، والمطر نازل زي السيل. كنت بفرمل العربية بالعافية من كتر الارتجاف اللي في إيدي. وصلت المنطقة القديمة، الشوارع الضيقة كانت عبارة عن برك مية وضلمة كاحلة لأن الكهربا كانت مقطوعة.
نزلت أنا وسارة نصرخ في الشارع: “مالك! يا مالك!”
المكان كان مرعب، وصوت المطر والرعد داري على أصواتنا. جيران المنطقة القديمة خرجوا على صريخنا، وبدأوا يدوروا معانا بالكشافات. ساعتين كامليين وإحنا بنلف في شوارع طين وخرابة، وسارة طايحة في المية بتصرخ وترمي نفسها على الأرض: “يا رب رجعهولي وما عايزه حاجة من الدنيا! يا رب خد فلوسي وعزي ورجعلي ابني!”
ولحد ما طلقت شمس الصبح.. ونور ربنا كشف الفاجعة.
على بعد مسافة قصيرة من الشارع الرئيسي اللي بتعدي منه العربيات بسرعة، لقينا تجمهر من الناس وسرينة عربية إسعاف.. قلبي وقفت دقته. جريت زي المجهد، بدق ب رجلي في المية.. زقيت الناس..
ولقيت مالك..
طفلي الصغير اللي مكملش أربع سنين، مرمي على جانب الطريق، هدومه غرقانة طين ودم، وشنطته الصغيرة اللي كان حاطط فيها لعبته علشان بيلعب بيها مع جدته كانت جنبه.
عربية خبطته وهي ماشية بسرعة في الضلمة والمطر، والسواق جرى وسابه ينزف في البرد!
سارة صرخت صرخة ، ووقعت أغمى عليها في المية والطين. أنا ما بكتش.. ما عرفتش أبكي.. حافيت على ركبتي وشيلت جثة ابني بين إيديا. كان جسمه سقعان زي الثلج.. بصيت لوشه البريء ولقيت رجليه متجهة ناحية بيت أمي.. الولد كان فاضل له خطوات ويصل لجدته عشان يحميها، بس أنا بعتي له المو.ت بإيديا!