قيد من جمر 3 نورهان العشرى
كانت تتحدث وهي تنظر إلى فريدة التي ابتسمت ابتسامةً باردة لم تصل لعينيها، ورفعت فناجها بترفعٍ أثبت شموخها، وهي تطالع فاطمة الند بالند، لتدلف زهراء أحد الخدم و تقوم بوضع طبق من الفطير الفلاحي، و طبق من العسل الأسود أمام فريدة وهي تقول بحبور: ـ حمدلله على سلامتك يا ست فريدة، جبتلك الفطير المشلتت و العسل الأسود اللي بتحبيه، قولت زمانهم وحشوكي.. ناظرتها فريدة بسعادة، فهذه أول بادرة ترحيب بها في هذا المنزل، لتقول بامتنان:
ـ ميرسي يا زهراء تسلم ايدك. فعلًا أنا كان واحشني الأكل دا أوي.. زهراء بلهفة: ـ بألف هنا على قلبك يا ست الستات.. ـ امشي يا بت أنتِ غوري على شغلك..
هكذا صاحت فاطمة في وجه زهراء التي ارتعبت منها و هرولت إلى الخارج، لتقرر فريدة استفزازها أكثر، فقامت بتقطيع الفطير و غمس قطعة صغيرة منه في العسل الأسود و وضعها في فمها، وهي تتلذذ بطعمها الرائع، لتتساقط بعض قطرات العسل فوق أصابعها، فقامت بلعقها بنعومة أصابت زياد بالجنون، فقد عادت إليه ذكرياتهم، وهي تطعمه هذا الأكل، وهو يقبل أصابعها التي كانت تجعل للعسل مذاقًا رائعًا، فتهدجت أنفاسه وغامت عينيه برغبةٍ قوية ممزوجة بعشـ,ـقٍ جارف، ولكن ذلك لم يعجب فاطمة التي هتفت بحدة:
ـ في ايه هو أنتِ مكنتيش بتاكلي في بيتكوا ولا اي ؟ ما تاكلي زي الناس. اغتاظت فريدة من حديثها ولكنها ردت بصوتٍ ناعم كالحرير وشديد القسوة كالإبر: ـ عندك حق مكنتش باكل كانت نفسي مسدودة. لكن لما رجعت بيتي وبيت أبويا وجدي نفسي اتفتحت. انقبضت ملامح فاطمة، ورمقتها بنظرة مشتعلة لتتدخل فردوس بنبرة تهكمية مبطنة: ـ ركزي في طبقك يا فاطمة يا حبيبتي. هو أنتِ طول عمرك كدا بصة في طبق غيرك، وفي اللقمة اللي في إيد غيرك.
تكهربت الأجواء وأصبحت الكلمات أسلـ,ـحةً خفية تُغرس في القلوب بدهاء، بينما كانت عينا زياد لا تفارقان وجه فريدة. كان يرى تحديها الصامت، شموخها الذي لا ينحني، وثغرها الذي يقطر كبرياءً، فاشتعلت رغبته في فرض سيطرته عليها، وتذكير الجميع بكلمته الأولى والأخيرة،ليضع الفنجان على الطبق الرخامي بصوتٍ جافٍ قاطع، أحدث رنينًا حادًا أخرس الجميع في توقفٍ مفاجئ لجريان الحديث. ـ كفااااية كلام استقام في جلسته، وعيناه الشهلاوان تطوفان بالحاضرين بهيبةٍ تلجم الألسن، وقال بنبرةٍ خفيضة، لكنها شقت صمت السفرة كحد السيف: