ابويا اصر حكايات زهره الربيع 1
نظر إليّ طويلاً، ثم قال:
“ادخل يا ابني.. اقعد. كان لازم ترجع عشان نقفل الدفاتر اللي سيبتها مفتوحة.”
جلسنا جميعاً.
وضعت منار الملف على الطاولة، ثم قالت:
“أنت فاكر إن الخمس سنين دول كانوا حياة جديدة بالنسبة لي زي ما كانوا بالنسبة لك؟”
ثم تابعت:
“أنا قررت أستفيد من التجربة بدل ما أخليها تهدمني. كملت دراستي، واجتهدت، والحمد لله تخرجت من كلية الطب بتقدير ممتاز.”
فتحت الملف وأخرجت مجموعة من المستندات.
وقالت:
“والأهم من كده، إني احتفظت بكل الأوراق والشهادات اللي تثبت حقيقة اللي حصل وقتها، وكل المستندات اللي توضح إن الاتهامات اللي وجهتها لي لم يكن لها أساس.”
شعرت بتوتر شديد.
ثم أضافت:
“أنا لم أكتفِ بأن أدافع عن نفسي أمام العائلة. قررت أن أتعامل مع الموضوع بشكل قانوني ورسمي، حتى لا تبقى حياتي معلقة بكلام الناس.”
كانت شيرين تقرأ الأوراق بذهول، ثم رفعت عينيها نحوي.
“يعني أنت اتخذت قرارك وقتها بناءً على شكوك، مع إنك كنت عارف أخلاقها وتربيتها؟”
لم أستطع الرد.
كان السؤال وحده كافياً ليكشف لي حجم الخطأ الذي ارتكبته.
لكن المفاجأة الأكبر كانت في الصفحة التالية.
قالت منار:
“أبوك حاول يصلح جزءاً من اللي حصل. وبعد ظهور المستندات وتوضيح الحقيقة، قرر أن ينقل جزءاً من ممتلكاته لي، حتى يضمن أن حقي محفوظ وأن ما حدث لن يضيع بسهولة.”
نظر إليّ أبي وقال:
“أنا أخطأت لما ضغطت عليك في البداية، لكنك أنت كمان أخطأت لما ظلمت بنت عمك بسبب رغبتك في الهروب من مسؤوليتك.”
شعرت بأن الأرض تضيق حولي.
كنت أعتقد أنني الابن الوحيد الذي سيحصل في النهاية على كل شيء.
لكن الواقع كان مختلفاً تماماً.
أصبحت منار شريكاً أساسياً في ممتلكات العائلة، بينما بدأت أنا أفهم أن قراراتي القديمة كانت لها نتائج لم أتوقعها.
ثم أخرجت منار قرصاً مدمجاً.
قالت:
“وده تسجيل لمحادثة قديمة بينك وبين أحد أصدقائك، كنت بتتكلم فيها عن الطريقة اللي استخدمتها لإنهاء الزواج، وعن رغبتك في بدء حياة جديدة بعيداً عن القرية.”
تجمدت في مكاني.
كنت قد نسيت تماماً تلك المحادثة.
لكنها كانت موجودة الآن أمامي.
التفتت شيرين إليّ وقالت:
“أنا كنت فاكرة إنك شخص مختلف. لكن دلوقتي فهمت إنك أخفيت عني جزءاً كبيراً من الحقيقة.”