ابويا اصر حكايات زهره الربيع 1

نظرت إلى منار وقتها، فوجدتها منهارة من شدة الصدمة. كانت نظرتها تقول لي شيئاً لن أنساه أبداً: “افتكر اليوم ده كويس.”

وفي لحظة انفعال، قررت إنهاء الزواج.

أخذ عمي ابنته وغادر، بينما بقي أبي في مكانه عاجزاً عن استيعاب ما حدث. وفي صباح اليوم التالي، جهزت حقائبي وغادرت إلى القاهرة، وتركت منار تواجه وحدها نتائج قرار لم يكن لها ذنب فيه.

مرت السنة الأولى، ثم الثانية، وأنا أعيش في القاهرة وكأن شيئاً لم يحدث.

انشغلت بالعمل والحياة الجديدة، بينما كانت منار تحاول أن تستعيد توازنها وتكمل دراستها رغم نظرات الناس وكلامهم.

ومع ذلك، لم تستسلم.

كانت تذهب إلى جامعتها كل يوم، وتجتهد حتى تثبت لنفسها وللجميع أنها أقوى من الصورة التي حاول الآخرون رسمها عنها.

وبعد عامين، تعرفت على زميلة في العمل اسمها شيرين، وكانت قريبة من الصورة التي حلمت بها دائماً. أخبرت أبي أنني قررت الارتباط بها.

جاء أبي وأمي إلى القاهرة وحضرا المناسبة، لكنني كنت ألاحظ على وجهيهما الكثير من التحفظ. كانا يعرفان أن ما حدث في الماضي لم ينتهِ بهذه السهولة.

مرت خمس سنوات كاملة منذ تلك الليلة.

خمس سنوات عشت خلالها حياتي بعيداً عن القرية، وكنت مقتنعاً أن الماضي أصبح وراء ظهري.

ثم قررت العودة.

أخذت زوجتي شيرين معي، وتوجهنا إلى القرية. كنت أشعر بالقلق من مواجهة منار، لكنني أقنعت نفسي بأن السنوات الطويلة كفيلة بتغيير كل شيء.

وصلنا مع غروب الشمس. كانت شيرين تتأمل البيوت والمزارع من حولها، بينما كنت أحاول الظهور بثقة.

دخلنا البيت الكبير.

كنت أتوقع استقبالاً مختلفاً، لكن الهدوء كان يسيطر على المكان.

لم أجد أمي كما توقعت، ولم يكن أبي في مكانه المعتاد.

ثم فُتح باب المضيفة بهدوء، وخرجت منه امرأة لم أتعرف عليها في اللحظة الأولى.

كانت ترتدي ملابس أنيقة، وتحمل ملفاً من الأوراق. خطواتها كانت ثابتة، ووجهها هادئ، وعيناها تحملان ثقة لم أرها فيها من قبل.

قالت:

“أهلاً يا باشمهندس.. حمد الله على السلامة.”

توقفت في مكاني.

شيرين نظرت إليّ وسألت:

“مين دي؟”

قبل أن أجيب، خرج أبي من الغرفة المجاورة.

كان يبدو أكبر بكثير مما أتذكره، وقد تغيرت ملامحه مع السنوات.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *