بنت عم جوزى امانى السيد2

التفتت له عند الباب والجملة الأخيرة رنت في وداني وزلزلت اللي باقي من تحمّلي. مابقاش في قلبي مكان للخوف من تهديده، الوجع اتحول لكتلة برود وقوة مش عارفة طلعت لي منين. بصيت له في عينه بثبات وقولت بنبرة هادية بس هزت الصالة:

ـ بيتك؟ اللي هددتني أروحله لوحدي بسببه؟ اللي جيت هنا عشان تداري فيه عزومة الهانم بفلوسك؟ وفريدة اللي عايزني أعتذر لها دي، أعتذر لها على إيه؟ على إنها بتاكل مطرحك وإنت بتقرف من مرأتك؟

لمحت وش معتز اتخطف وعينه تشتتت للحظة وكأني كشفت المستور قدام أخوه وعمته، وفريدة ابتسامتها اختفت وحست إن الخبث بتاعها اتقلب عليها. فادي وقف بسرعة وقرب من معتز يمسكه وهو بيقول بصوت جهوري:

ـ جرى إيه يا معتز! إنت اتجننت فعلاً؟ يمين إيه وتطرد مراتك عشان إيه؟ عشان مش عايزة تغسل أطباق في بيت مش بيتها؟

أما عمته فزعقت هي كمان بس عشان تلحق منظر ابن اخوها اللي اتهان:

ـ بس يا فادي ما تتدخلش! وإنتي يا إلهام، لمي لسانك واخرجي من بيتي، إحنا ناس محترمة وبنتنا مية راجل يتمنوها، مش هتيجي واحدة زيك تغلط فيها في بيتنا!

بصيت لعمته وابتسمت بمرارة وقهر:

ـ كتر خيرك يا عمتو، المحترمة بتبان من أول المعلقة.. ومعتز بتاعكم ده أشبعوا بيه، المطبخ وأطباقه وفريدة وضوافرها كلهم يلزموه.. أما أنا فكبيرة قوي على القعدة دي.

فتحت الباب وخرجت قبل ما أسمع كلمة زيادة، ورزعت الباب ورايا بكل قوتي. وأنا نازلة على السلم، كان صوت معتز لسه بيقلب البيت ويزعق ورايا، بس رجلي ما وقفتش. دموعي نزلت شلال مغرّق وشي، بس المرة دي ما كانتش دموع ضعف.. كانت دموع فوقان من كابوس عشته مع راجل طلع بره حياتي من قبل ما أدخل الشقة دي أصلاً.

نزلت السلم وجريت على الشارع وأنا حاسة إن الهوا أخيراً دخل صدري، رغم الكتمة والكسرة اللي في قلبي. ركبت أول تاكسي قابلني ودموعي مش راضية تقف، طول الطريق مشهد المعلقة ونظرة عينه وهو بيقول “فريدة ماتمدش إيدها في حاجة” بتتعاد قدام عيني زي الشريط المرعب. وصلت شقتي، لميت هدومي الأساسية وحاجتي في شنطة سريعة، وأنا واخدة قراري اللي مش هيرجع فيه تاني؛ الراجل ده ملوش مكان في حياتي.

مرت ليلتين وهو حتى ما فكرش يتصل أو يبعت رسالة، كان سايق في العند وفاكر إني ههدى وأرجع أبوس إيده عشان يسامحني. في اليوم الثالث، اتصلت بيه ونبرة صوتي كانت أهدى وأقوى من أي وقت فات:

ـ معتز، إنت هتقابلني عند المأذون، وبكل هدوء هطلقني.

سمعت ضحكة سخرية منه ورا السماعة وهو بيقول بثقة وعنجهية:

ـ مأذون إيه يا هانم؟ إنتي صدقتي نفسك ولا إيه؟ مفكرة إنك لما تطلبي الطلاق هجري وراكي؟ إنتي اللي تيجيتي وتعتذري لعمتي وفريدة الأول، وبعدها نبقى نشوف موضوع رجوعك ده.

رديت عليه ببرود جمد الدم في عروقه:

ـ أنا مش هعتذر لحد، وما بقاش يربطني بيك حاجة. لو ما جيتش بالذوق، أنا هرفع قض*ية خلع وتنازل عن كل حاجة، واكسب وقتك ووقتي.

سكت لحظة، وكأن الكلمة ضربت كبريائه، بس فجأة نبرة صوته اتغيرت.. الرفض اللي كنت متوقعاه اتقلبت لبرود غريب ومريب، وقال بنبرة فيها لؤم:

ـ تبيعي وتتنازلي عن كل حاجة؟ يعني مش عايزة حقوقك؟

ـ مش عايزة منك قشرة بصلة، أنا عايزة حريتي وبس.

ـ تمام يا إلهام.. إنتي اللي اخترتي، وأنا مش هبكي على واحدة مش مقدرة بيتها. بكره الساعة ٤ العصر هكون مستنيكي عند المأذون اللي في أول شارعنا.

قفل السكة، وأنا عرفت وشميت من نبرته إنه ما صدق لقى المخرج. معتز ما كانش بايع بالسهولة دي لمجرد العند، هو كان راسم في خياله حلم تاني خالص.. فريدة. فريدة اللي لسه مطلقة، واللي طول عمره شايفها “الخط الأحمر” والست الشيك اللي تليق بمقامه، فريدة اللي بتدلع عليه وتقوله “موزى” وهو فخور بيها. طلاقي مني كان الكارت الأخضر اللي هيخليه يروح يتقدم لها وهو حاسس إنه هينقذها ويفوز بيها.

تاني يوم، وقفت قدام المأذون وهو واقف جمبي بقميصه المتشيك وعطره الفواح، ملامحه ما كانش عليها ندم، بالعكس، كان باين في عينه بريق أمل جديد، بريق راجل رايح يبدأ حياته مع الست اللي كان بيتمناها من زمان.

مضينا الأوراق، وبصلي المأذون وقال جملته الشهيرة: “أنتِ طالق يا بنتي”.

بصيت لمعتز لأخر مرة، وقولتله بثبات:

ـ مبروك عليك ضوافر فريدة يا معتز.

التفت ومشيت وأنا حاسة إن جبل انزاح من فوق كتافي، سيبته وهو بيبتسم بثقة وبيمسك تليفونه تلقائيًا، غالباً عشان يكلم عمته ويبشرها إن الطريق لفريدة بقى فاضي.

بعد ما الحبر نشف على ورق الطلاق، معتز ما ضيعش وقت. طار على بيت عمته وهو حاسس إن الدنيا ضحكت له، والشرير اللي كان واقف في طريق سعادته غار في داهية. دخل وفي إيده علبة شوكولاتة غالية، وعينه بتلمع بالانتصار.

قعد مع عمته وفريدة، وفتح الموضوع بكل ثقة؛ طلب إيد فريدة رسمي. عمته زغرطت وهللت، وفريدة بدأت تتمايل وتتمنع بدلعها المعتاد:

ـ طبعاً يا موزى إنت فوق راسي، بس إنت عارف أنا لسه خارجة من تجربة صعبة مع طليقي ومحتاجة وقت أتعافى، بس خليك جمبي الفترة دي.

ومن هنا بدأت مرحلة “المرمطة” لمعتز. فريدة عاشت دور الست المكسورة اللي محتاجة “موزى” عشان يخرجها من حزنها. أسبوع ورا أسبوع، وشهر ورا شهر، وفريدة بتجرجره وراها من مكان لمكان. خروجات في مطاعم خمس نجوم، هدايا براندات عشان تحسن مودها، وفسح وسفريات، ومعتز زي الأعمى بيدفع وهو فرحان، مفكر إنه كده بيثبتلها إنه أحسن من طليقها وبيشتري رضاها.

كل ما يفتح معاها السيرة وتقرب الخطوة، تطلع له بحجة جديدة: “معلش يا معتز، أصلي بظبط أوراق مؤخر الصداق مع طليقي”، “معلش يا موزى، حاسة إني لسه مش جاهزة نفسياً للجواز”. وهو يستحمل ويصبر، وعلى قلبه زي العسل، لمجرد إن الهانم بتبتسم له وتلمس دراعه بضوافرها اللي كانت أغلى عنده من كرامة مراته.

لحد ما جيه اليوم الصدمة.

بقى له يومين بيكلمها تليفونها مقفول، وعمته بتقوله دي مسافرة مع أصحابها تغير جو. فجأة، وهو قاعد في بيته، تليفونه نوّر بإشعار رسالة من فريدة. فتحها بلهفة وهو فاكرها هتقوله وحشتني، بس ملامح وشه اتجمدت، وعينه برقت بصدمة وهو بيقرأ الكلام:

> “شكراً قوي يا معتز على العزومات اللطيفة والوقت اللطيف اللي قضيناه مع بعض الفترة اللي فاتت. بصراحة أنا كنت محتاجة حد يصرف عليا ويدلعني ويهون عليا فترة الطلاق، بس إنت يا معتز مش الراجل اللي ممكن أفكر أتجوزه أو حتى أحبه.. إنت أقل من كده بكتير قوي. أنا كنت بس عايزة حد يملى الفراغ ويصرف عليا لحد ما أرجع لواحد غني زي طليقي، والحمد لله إحنا كتبنا الكتاب وعقدنا قراننا وسافرنا بره مصر خلاص. باي يا موزى!”

>

معتز حس إن الأرض بتلف بيه، التليفون وقع من إيده، والنفس اتقطع في صدره. الرسالة كانت زي القلم اللي فوقه على حقيقته؛ فريدة اللي باع مراته وبيته عشانها، فريدة اللي قعد يذل في إلهام ويقول “ضوافرها ما تلمسش حاجة”، كانت شايفاه مجرد محفظة متنقلة، ومجرد “مغفل” بيصرف عليها لحد ما تلاقي الصيد الغني.

افتكر كل كلمة قالها لإلهام، وافتكر يوم ما طردها عشان المعلقة وعشان شيل الأطباق. لقى نفسه فجأة وحيد، خسيس في نظر نفسه، وخسران كل حاجة.. خسر الست الأصيلة اللي كانت شايلاه وشايلة بيته، عشان واحدة خدت فلوسه ورمته زي المنديل.

 

قعد معتز على الكنبة والرسالة قدام عينيه زي الكابوس اللي مش عارف يفوق منه. كل حرف كتبته فريدة كان بيتحول لسهم بيقطع في كرامته وكبريائه اللي عاش يذل الناس بيهم. “إنت أقل من كده بكتير قوي”.. الكلمة دي بالذات كانت بترن في ودانه وبتخليه يحس بصغر حجمه، هو اللي كان شايف نفسه “موزى” البطل الفارس اللي بينقذ بنت عمه، طلع في الآخر مجرد “كارت بديل” اتلعب بيه لحد ما اللعبة الأساسية ترجع.

بص حواليه في الشقة الفاضية، الشقة اللي كانت في يوم من الأيام دافية وفيها روح. تذكر إلهام.. تذكر ملامحها وهي واقفة عند الباب وعينها مليانة دموع وقهر وهي بتقول له: “معتز بتاعكم ده أشبعوا بيه”.

ندم رهيب بدأ يأكل في قلبه. افتكر يوم المعلقة، ويوم صينية السمك اللي دفع دم قلبه فيها عشان يرضي فريدة وهي في الآخر استخسرت فيه حتى كلمة حب حقيقية. افتكر إلهام وهي بتستحمل معاه، وعمرها ما طلبت منه فوق طاقته، ولا عايرته، ولا شافت نفسها عليه. الست الأصيلة اللي هانها وكسر بخاطرها قدام أهله عشان ضوافر فريدة، فريدة اللي طارت لواحد أغنى منه وما فكرتش حتى تودعه.

مسك تليفونه وإيده بترعش، وكتب اسم “إلهام” في خانة البحث. كان عنده أمل ضئيل، أمل الغريق، إنه يلاقي طوق نجاة. دخل على بروفايلها، ولقى صدمة تانية كانت مستنياه.. إلهام منزلة صورة ليها وهي بتضحك من قلبها، ضحكة صافية ومختلفة تماماً عن الضحكة الباهتة اللي كانت بتضحكها معاه، وكاتبة فوقيها: *”لعله كان خيراً ليتسع قلبك لما هو أجمل.. بداية جديدة بحرية وسلام.”*

حاول يتصل بيها، بس الخط أعطاه صوت الصفارة السريعة؛ إلهام عملت له “بلوك” من كل حتة في حياتها، قفلت الباب اللي كان موارب تماماً وزي ما قالت له يوم الطلاق: “مش هتعرف لي طريق رجوع تاني”.

رمى التليفون على الأرض ودفن وشه بين إيديه، ودموعه نزلت لأول مرة، دموع قهر وندم على كل حاجة ضاعت من إيده بغبائه وطمعه ورا المظاهر الكدابة. عرف إنه مش بس خسر إلهام، ده خسر نفسه وكرامته، وهيفضل طول عمره عايش بنقص “إنه كان أقل بكثير” في نظر الست اللي باع بيته عشانها.

مرت شهور العدة على إلهام وكأنها فترة إعادة ترميم لروحها اللي انكسرت. بمجرد ما انتهت العدة، بدأت صفحة جديدة تماماً في حياتها. ربنا عوضها براجل صان كرامتها وعرف قيمتها من أول يوم؛ إنسان حقيقي شاركها حياته بكل احترام وتقدير، وعيّد ليها ثقتها في نفسها وفي الدنيا. عاشت معاه في هدوء وسلام، الضحكة اللي غابت عن وشها سنين رجعت تنوّر ملامحها تاني، وبقت تفتكر أيام معتز وكأنها كانت مجرد حلم بايخ وفوق ت منه.

أما على الجانب الآخر، في الغربة، فكانت الصدمة الأكبر مستنية فريدة.

الهانم اللي سافرت وهي فاكرة إنها طارت لعش الزوجية الأسطوري، اتفاجئت بأول قلم من طليقها اللي رجعتله؛ الراجل ما كانش مطلق زوجاته التانيين زي ما فهمها، ده طلع متجوز اتنين غيرها ومقعدهم في نفس البيت! فريدة لقت نفسها “ضرة” تالتة في وسط بيت قايم على المشاكل والغيرة، وجوزها اللي كانت مفكراه هيصرف عليها وبس، طلع راجل ناشف ومتحكم، قفل عليها وعيّد تربيتها من أول وجديد، وعيّشها في أيام سودة مع ضرايرها، وبقت هي اللي بتخدم وتلم ورا البيت كله، وضوافرها اللي خافت عليها اتهرت من شقى البيت اللي ما بيخلصش.

في نفس الوقت ده، كان معتز عايش في دوامة تانية خالص من العذاب والوحدة.

بعد ما الحقيقة هبدته في وشه، بقى عايش لوحده في شقته الفاضية. السنين بتمر عليه وهو مش عارف يتخطى صدمة فريدة، وفي نفس الوقت الندم على خسارة إلهام بياكل في قلبه. بقى يدخل من علاقة لعلاقة، ويحاول يتجوز أو يلاقي أي واحدة تملى الفراغ اللي سابته فريدة في خياله، أو واحدة تعوضه النقص والقهر اللي عاشه. بس العقدة النفسية اتملكت منه؛ كل ما يقابل واحدة، يفضل يقارن ويخاف لتكون طمعانة فيه أو بتستغله زي بنت عمه، وفي نفس الوقت يدور على أصل إلهام اللي مش لاقيه في أي حد.

كمل حياته وحيد، تايه بين ماضي دمره بغبائه، وحاضر مش عارف يعيش فيه، بعد ما خسر ا

لست اللي كانت شايلاه، والست اللي جِري ورا سرابها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *