اخت جوزي حكايات رومانى مكرم 2
قرر حسام عدم التسرع، وبمساعدة سلمى التي كانت تتمتع بذكاء حاد وبصيرة ثاقبة، بدأت بمراجعة دفاتر الحركة المالية والفواتير بنفسها في الليالي الهادئة.
قالت سلمى لحسام وهي تضع يدها على كتفه: “يا حسام، المال السايب بيعلم السرقة، والجهة الوحيدة اللي العجز فيها بيبدأ من الفرع الصغير وبيغطي عليه في المخزن الرئيسي هي الفرع اللي ماسكه مدحت. أنا مش بتهم حد بالباطل، بس العاطفة في التجارة بتخسّر. لازم نعمل جُملة مفاجئة وجرد دقيق بالقطع والكرتونة.”
بالفعل، في فجر أحد الأيام، نزل حسام برفقة فريق كامل من المراجعين القانونيين والخبراء الماليين التابعين للحاج متولي على فرع مدحت وعلى المخازن الملحقة به. كانت الصدمة قاسية؛ اكتشف الخبراء اختلاسات وتزويرًا في الأوراق الرسمية بآلاف الجنيهات، فضلاً عن وجود شحنة ضخمة من البضائع المقلدة التي كان مدحت ينوي إدخالها باسم الشركة لجني أرباح خيالية على حساب سمعتها.
تم ضبط مدحت متلبسًا في مكتبه ومعه العقود المزورة. انهار مدحت وسقط عند قدمي حسام يترجاه ألا يبلّغ الشرطة، ويتوسل بأطفاله وبأخته سمر.
أما سمر، فحين وصلها الخبر، هرعت إلى الشركة ودموعها تسيل على خديها، لكنها هذه المرة لم تكن تدافع عن زوجها الظالم، بل كانت تشعر بالخزي والكسرة الشديدة من أخيها وسلفتها اللذين أكرماها وأكرموا زوجها بعد كل ما بدر منها.
وقفت سمر أمام حسام وسلمى، وقالت وهي تنتحب: “يا حسام… يا سلمى… أنا مش جاية أطلب منكم تسامحوا مدحت على خيانته لأكل عيشكم وسمعتكم. الراجل ده طعنكم في ضهركم بعد ما انتشلتوه من الضياع. أنا اللي بطلبه منك يا أخويا إنك تاخد حقك بالقانون، وأنا من النهاردة مش هأقعد على ذمته يوماً واحد، لأني ما أتشرفش أكون على ذمة راجل خاين للنعمة والأمانة.”
نظر حسام إلى زوجته سلمى، ثم التفت إلى مدحت الذي كان يتأرجح بين الخوف والندم، وقال بصوت هز جدران المكان:
“أنا كان ممكن أرميك في السجن وبالمستندات تقضي بقية عمرك ورا القضبان، بس أنا مش هعمل كده عشان خاطر ولاد أختي وعشان اسم العيلة اللي وسخته. البضايع والأموال اللي سرقتها هتترد بالكامل من تنازلك عن حصتك وأملاكك، وتطلق سمر فتاً وبدون شروط، وتختفي من حياتنا ومن السوق كله.. ولو شفت وشك في نطاق الشركة أو البيت تاني، أوراقك هتكون قدام النيابة في نفس الدقيقة!”
وقع مدحت على تنازل كامل عن كل ما يملك وسدد الجزء الأكبر من خيانته، وطلق سمر وانكسر غروره وأطماعه إلى الأبد، ليخرج من حياة العائلة كما دخلها بلا قيمة ولا كرامة.
أما سمر، فقد عادت إلى بيت أمها مع أطفالها، لكنها عادت امرأة مختلفة تمامًا؛ تعلمت الدرس الأكبر في الحياة، وهو أن النعمة تحتاج إلى صون، وأن الأمانة هي السند الحقيقي، وأن أخيها حسام وزوجته الأصيلة سلمى هما الجبل الذي لا ينهدم مهما عصفت به الرياح.
اجتمعت العائلة في بيت حسام الجديد، وحول المائدة كان الحاج متولي يجلس وعلى يمينه حسام وعلى يساره سلمى وأطفالهم وسَمر وأبناؤها. نظرت سلمى إلى هذا الجمع وابتسمت ابتسامة رضا، متذكرة أيام الشقاء والكسرة التي مرت بها، وعرفت أن الصبر على الابتلاء والتمسك بالكرامة يثمران دائمًا عزًا لا يزول، وأن من ينوي الخير للناس يجعل الله له من كل ضيق مخرجًا.