اخت جوزي حكايات رومانى مكرم 2
/> مرت الأيام وسارعت العجلة؛ انتقل حسام وسلمى وأطفالهما إلى الشقة الجديدة في الحي الراقي. كانت شقة واسعة تطل على حدائق غناء، أثثتها سلمى بنفسها بأرقى قطع الأثاث التي طالما حلمت بها وهي تقلب صفحات المجلات القديمة. استلم حسام إدارة المخازن الرئيسية لشركة الخال متولي، وبفضل أمانته وذكائه الشديد في البيع والشراء، استطاع في غضون أشهر قليلة أن يضاعف أرباح الشركة، ليصبح اسمه يتردد في السوق كأحد أنجح التجار الشبان.
أما سمر، فقد بدأت أيامها المريرة تظهر سريعا. العريس الذي انخدعت به وبأهله وبمظهرهم المودرن، اتضح أنه رجل أناني، ديونه تتراكم عليه، وكان يطمع في أن يكون حسام هو المنقذ والضامن له في تجارته بعد أن رأى نفوذ الخال متولي. وحين وجد أن حسام يرفض التعامل معه كلياً ولا يفتح له بابه، بدأ يعامل سمر بجفاء وقسوة، ويعيرها بأن عائلتها مفككة وأن أخاها الكبير لا يطيق رؤية وجهها.
وفي يوم شديد الحرارة من أيام الصيف، كانت سلمى تجلس في مكتب زوجها الفخم في الشركة تراجِع معه بعض الأوراق الخاصة بدار أيتام قررا رعاية أطفالها شُكراً لله على نعمه، حين دخل أحد موظفي الاستقبال بلطف وقال: “حسام بيه، فيه واحدة ست بره ومعاها طفل صغير ووالدتك، مصممين يقابلوا حضرتك وبيعيطوا.”
نظر حسام إلى سلمى، ونظرت هي إليه؛ كان كلاهما يعلم من يقف بالخارج. أشار حسام للموظف بالإذن بالدخول.
دخلت سمر، لكنها لم تكن سمر التي وقفت بالأمس على السرير تلوك الكلام وتنظر باستعلاء. كانت مطأطأة الرأس، تحمل طفلها الذي لم يتجاوز شهره السادس، وثيابها هادئة وبسيطة، وحول عينيها هالات سوداء تجسد سنوات من النكد والندم. خلفها كانت الأم تمشي بخطوات مكسورة.
وقفت سمر في منتصف المكتب الفخم، وبكت بصوت جريح هز جدران المكان: “سامحني يا حسام… سامحيني يا سلمى. والله العظيم الدنيا لفت بيّا وادبتني. جوزي بيذلني كل يوم، وأهله بياكلوا وشي، وما قعدليش حد في الدنيا يسندني غيرك يا أخويا. أنا عرفت قيمتك وقيمة مراتي الأصيلة اللي كبرتك وصانتك، وأنا اللي كنت عمياء وبصيت للمظاهر الفارغة.”
ساد الصمت في المكتب لحظات، نظرت سلمى إلى الطفل الصغير في يد سمر، ثم نظرت إلى زوجها حسام. كانت تعلم أن الانتقام الشديد لا يليق بأصحاب النفوس العالية، وأن الله إنما رفعهم ليختبر كرمهم لا ليختبر قسوتهم.
قامت سلمى من مقعدها، وقربت من سمر، وأخذت الطفل الصغير من يدها وضمته إليها، ثم رفعت رأس سمر ببيان وهدوء: “يا سمر… احنا ما بنكرهكيش، لأن اللي ربنا بيكرمه ما بيبقاش في قلبه مكان للكره. يوم ما عيرتينا بفقرنا وبمرض حسام، ربنا أخد بيدنا عشان يعلمك إن العز مش بالهدوم ولا بالشقق المودرن، العز بالراجل اللي يصونك والست اللي تشيل جوزها في كسرته. أنتِ أخت حسام، والطفل ده مالوش ذنب في كبرياء أميمة قديم.”
التفت حسام إلى سمر، ونظر إليها بعينين مليئتين بالحكمة والمسؤولية، وقال: “يا سمر، البيوت ما ببتدمرش من الفقر، البيوت ببتدمر لما القلوب تقسى وتستعلى. أنا هسدد ديون جوزك، وهشغله معايا في فرع صغير تحت عيني عشان يعيشك بكرامة وما يذلكيش تاني، بس بشرط… أنك تعرفي إن الكرامة اللي اتداس عليها زمان، ربنا هو اللي حماها، وإن اللي يرجع لربنا ولأهله بصدق، البيوت بتتفتح له من جديد.”
سقطت سمر على ركبتيها وهي تبكي وتصيح بالدعاء لأخيها وزوجته، بينما احتضنت الأم ابنها وسلمى، وتبددت آخر قطرة من ظلام الماضي، لتبدأ صفحة جديدة عنوانها أن الحق لا يموت، وأن أصل المعدن يظهر في أوقات الشدة.
مرّت سنتان على ذلك اليوم الذي انطوت فيه صفحة القسوة في مكتب حسام، لكن عجلة الحياة لا تتوقف عن الدوران، والابتلاءات لا تأتي دائمًا في صورة فقر أو مرض، بل تأتي أحيانًا في صورة اختبار للقلوب بعد النعمة، ولمعدن الرجال حين تتشابك المصالح وتكثر الأموال.
أصبح حسام اسمًا يتردد بقوة في سوق التجارة بالتوزيع. توسعت المخازن، وصارت شاحنات الشركة تجوب المحافظات من البحري إلى القبلي. انتقل حسام وسلمى إلى فيلا أسرية راقية في إحدى المدن الجديدة، وعاش أطفالهما في رغد ونعيم طالما حلمت به سلمى في أوقات الضيق. لم تنسَ سلمى أصلها؛ كانت يدها ممدودة بالخير لكل محتاج، ومجلسها مفتوحًا للقريب والبعيد، وظلت هي السند والناصح المخلص لحسام في كل قرار.
على الجانب الآخر، كان “مدحت” زوج سمر قد استلم إدارة أحد الفروع الصغيرة كما وعده حسام. في Bداية الأمر، أظهر مدحت الالتزام والانضباط، وأبدى امتنانه لحسام الذي أنقذه من الديون وأعاد لبيته الاستقرار. ولكن مع مرور الوقت، ورؤيته للملايين التي تتداول في حسابات الشركة وللجهاه والسلطة التي يتمتع بها حسام، بدأت نقطة السوس القديمة تنشط في قلبه.
كان مدحت يحمل في داخله عقابًا نفسيًا مكتومًا؛ فهو يرى زوجته سمر باتت تنظر لأخيها حسام كأنه بطل خارق ولي نعمتهم، ويرى أهله الذين كانوا يستعلون سابقًا يتوددون لحسام ويطلبون قربه. تحول هذا الشعور بالصغر إلى غيرة أكالة، وبدأ مدحت يفكر في حيلة يثبت بها لنفسه وللجميع أنه ليس أقل من حسام، وأن الفرصة فقط هي ما كانت تنقصه.
بدأ مدحت يستغل الثقة المطلقة التي منحها له حسام باعتباره زوج أخته. كان يدخل المخازن الرئيسية في أوقات متأخرة، ويبتكر طرقًا ملتوية في تقييد البضائع الواردة والصادرة، ويتفق مع بعض التجار الكبار من ذوي النفوس الضعيفة على تحويل جزء من شحنات البضائع لحسابه الخاص دون تسجيلها في الدفاتر الرسمية.
لم تكن سمر تعلم شيئًا عن ألاعيب زوجها، بل كانت تسعى بكل جهدها لتعويض سنوات الجفاء مع سلمى. كانت تزورها باستمرار، تساعدها في المناسبات، وتحرص على إظهار الاحترام الكامل لها أمام الجميع. أما الأم “حمات سلمى”، فقد أصبحت طريحة الفراش لكبر سنها، وكانت سلمى هي من ترعاها وتتابع أدويتها وأطباءها بأمانة ورضا، مما جعل الأم تبكي ندماً كلما ذكرت الماضي، وتدعوا لسلمى بالبركة والستر في كل صلاة.
وفي أحد الأيام، وردت لحسام مكالمة هاتفية من خاله الحاج متولي، وكان صوته يتضمن نبرة قلق لم يعتدها حسام منه:
“يا حسام… فيه لعب كبير بيحصل في سوق التوزيع، بضايع من الماركات المسجلة باسم شركتنا بتنزل السوق بأسعار محروقة وبدون فواتير رسمية، وده عامل أزمة مع الموردين الكبار في جبل علي وفي ألمانيا. فيه ثقب في مخازنك يا بني، ولو الموضوع ده ما اتقفلش فوراً، اسم الشركة اللي بنيناه بدمنا هيتهز في السوق كله!”
نزل الخبر على حسام كالصاعقة. كان يثق في نظامه وإدارته، لكنه علم أن الخلل لا يأتي إلا من مكان قريب جداً.