اخت جوزي حكايات رومانى مكرم 2

انتهى عقد القاعة وأنواره الباهرة، لكن الليلة لم تنتهِ في القلوب؛ كان الفرح بالنسبة لسمر وحماتي مجرد غطاء زائف لانكسار أكبر لا يمكن ترميمه. طوال ساعات الحفل، كانت عيون المعازيم تتنقل بين أنواطة الذهب على يد سلمى وبين الهيبة التي يمشى بها حسام جنب خال زوجته الحاج متولي. العريس، الذي كان يظن أنه يتزوج من عائلة بسيطة سيتفضل عليها بعالي قدره، صار يتودد لحسام في كل لحظة، ويطلب منه التقاط الصور التذكارية معه ومشاركتهم في “تربيزة الكبار”، بينما سمر تبتلع غصص القهر والندم، ووجهها المغطى بالمكياج المطبّق يبدو كقناع باهت يخفي تحته فزعا كبيراً من الغد.
بمجرد أن أُغلقت أبواب القاعة وغادرت السيارات المزينة بالورود، ترجل حسام وسلمى وأطفالهما من سيارة الحاج متولي الفارهة أمام البيت. لم يدخل حسام بيت أمه، بل توجه مباشرة إلى شقتهم الصغيرة التي كانت تفوح منها رائحة الحزن بالأمس، لكنها الليلة كانت تبدو كحصن للكرامة والمجد.
في الصباح الباكر من اليوم التالي، لم تكن الشارعة قد استيقظت بعد حين سمعت سلمى طرقات متلاحقة وخفيفة على الباب. فتحت بحذر لتجد حماتها تقف في المجاز، تلتف بشالها القديم، ووجهها يحمل شحوباً لم تره عليها من قبل. كانت عيناها زائغتين ويدها ترتجف وهي تحمل كيسًا صغيراً فيه بقية جهاز سمر الذي نسوه في الغمرة.
دخلت الأم بخطوات ثقيلة، وقعدت على الكنبة التي شهدت بالأمس القريب صرخات الوجع وإهانات ابنتها. نظر إليها حسام وهو يرتدي بدلة العمل الجديدة التي اشتراها له الخال متولي للذهاب إلى مقر الشركة، وكانت مشيته قد أصبحت منتظمة ومستقيمة، بلا أثر للعرج أو الانكسار.
وقفت الأم تنظر إلى ابنها بذهول، وحاولت أن تبدأ الحديث بنبرة الرقة المتأخرة: “يا حسام يا بني… يا حبيبي، أنا طول الليل ما غمضتليش عين. اختك سمر تبكي في بيتها وترتعش، وعريسها من الصبح عمال يسأل عنك وعن شغلك وعن الحاج متولي، وهي خايفة لتتكشف قدامه إنك زعلان منها ومني. يا بني المسامح كريم، دي أختك الصغيرة، والشيطان دخل بينكم.”
وقف حسام أمامه بثبات كالجبل، ورد بصوت هادئ لكنه كان أصلب من الحديد الذي وضعه الأطباء في ساقيه: “الشيطان ما يدخلش بين الناس يا أمي إلا لما يلاقوا له باب مفتوح من الكبر والغل. سمر ما أهانتش مراتي بس، سمر عيرتني بعجزي، وعيرت عيالي بفقري، وأنتِ كنتِ قاعدة بتشربي الشاي وبتهزي رأسك وتأيديها! كنتوا شايفين إننا عار، ودلوقتي لما ربنا رفعنا وجاب لنا حقنا من وسع، بقيتوا خايفين من منظركوا قدام الناس اللي كنتم بتلحسوا ترابهم؟”
انهمرت دموع الأم، وقربت تحاول إمساك يد حسام، لكنه سحب يده برفق وأدب دون قسوة زائدة، قائلاً: “أنا مش هؤذي سمر، ولا هروح أقول لجوزها إنها كانت مستعرية من أخوها المكسور، لأن الكرم من طبعي وطبع مراتي اللي صانتني في عجزتي. بس اللي بيني وبين سمر انتهى. الشجرة اللي تقطع فرعها لما يجف، ما ترجعش تشبك فيه لما يخضر ويطرح. بيتي مقفول في وشها، وفلوسي وشغلي مش هيدخل منهم جنيه واحد في بيتها، وده أخر كلام عندي.”
خرجت الأم وهي تجر أذيال الخيبة والندم، وعرفت أن ابنتها خسرت السند الحقيقي الذي لا يشترى بالمال، وأن اللحظة التي استعلت فيها سمر على أخيها كانت هي اللحظة التي حفرت فيها بئر وحدتها.

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *