مرات ابني حكايات امانى السيد 4

نظرت الأم إلى طفلها الذي أصبح رجلاً يملأ العين، ثم التفتت إلى زوجها السابق الذي بدا عليه الهرم والانكسار، وانطفأت في عينيه كل شرارات الكبرياء القديمة. لم تكن تحقد عليه، لكنها قالت بصوت هادئ يحمل عمق السنين: “يا بني.. السير في طريق الله يقتضي العفو، وأنا عفوت عن أبيك منذ زمن بعيد ووهبتُ حق نفسي لله. لكن بعض الجراح حين تلتئم ترك علامات لا تزول، والعيش تحت سقف واحد لن يعيد الشغف الذي قتله الظلم. يكفينا أننا نعيش في سلام، وأن أباك يرعاكم ببره، وأنني أراكم أمامي أعز الناس وأرفعهم شأناً”.

دمعت عين الابن الوسطاني، ونكس رأسه رضاً وقناعة، وقال: “يكفيني هذا يا أمي.. يكفيني أنكِ لا تحملين في قلبكِ كرهًا لي، ويكفيني أن أرى ثمرة صبركِ في أبنائي. أنا أخذتُ عقابي في الدنيا، ورأيتُ بعيني كيف أذل الله الكبرياء ورفع الصابرين”.

ومع نهاية تلك الليلة، كان القرار قد اُتخذ؛ حيث اتفق الابن المهندس وأخته الطبيبة على البدء في هدم العمارة القديمة بالكامل بأوراق رسمية، لإعادة بنائها من جديد على أحدث طراز، لتكون برجاً سكنياً حديثاً يمحو كل الآثار المادية لسنوات القهر والظلم، ويبني مكانه سقفا جديداً قائماً على الكرامة والمحبة والتسامح.

وقف الجميع في الصباح التالي أمام العمارة المتهالكة، يراقبون رجال البناء وهم يضعون أولى أدوات الهدم في الجدران العليا التي شهدت يوماً صراخ الظلم، بينما كانت الأم تقف مرفوعة الرأس، يحيط بها ولدها وبنتها، وزوجها السابق يقف خلفهم بحياء، منتظرين ميلاد الفصل الأخير والنهائي لهذه الحكاية.

تابعو صفحه رومانى مكرم ليصلك القصص كامله

بدأت ضربات الفأس وآلات الهدم تدوي في أرجاء العمارة القديمة، وتساقطت حجارة الطوابق العليا حجراً تلو الآخر، تناثر الغبار الساكن منذ سنوات، ومعه تهاوت كل الذكريات المؤلمة التي شهدتها تلك الجدران. كان أهالي الشارع يقفون على الجانبين يراقبون المشهد في صمت وخشوع، ينظرون إلى الطابق الذي شهد قهر المرأة المسكينة وهو يتحول إلى ركام، وكأن الأرض تطهر نفسها بنفسها من آثار الظلم والكبرياء الزائف.

خلال عام كامل، ارتفع مكان العقار المتهالك برج سكني حديث، ناصع البيض، تملؤه النوافذ الواسعة التي يدخلها أريج الشمس والهواء العليل من كل جانب. أصرّ الابن المهندس وأخته الطبيبة على أن يكتبا ملكية العقار الجديد بالكامل باسم أمهما، لتصبح هي المالكة الفعلية والشرعية لكل شبر فيه، تتويجاً لصبرها وتضحيتها، وردّاً لاعتبارها أمام الشارع والحي بأكمله.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *