مرات ابني حكايات امانى السيد 4
وقفت سيارة الإسعاف أمام البيت، ونزل منها رجال يطلبون أحداً من أهله ليتسلمه أو يدفع مصاريف مستشفى الفوائد. خرجت زوجة الابن الوسطاني من شقتها، ورأت سليفتها القديمة – زوجة الأكبر التي كانت تتسلط عليها وتأمرها بتنظيف السلم بصلف – تقف بعيداً في أول الشارع، تمسك بيد طفلها المراهق وتنظر إلى زوجها المريض بشماتة وجفاء، رافضة حتى الاقتراب منه أو دفع جنيه واحد لعلاجه، وقالت بصوت سمع الجميع: “ليس لي علاقة به، يذهب للشرطة أو يمت في الشارع، أنا طلقته وأخذت حقي منه!”.
في تلك اللحظة الحرجة، خرج الابن الوسطاني من ورشته، ووقف يتأمل أخاه الأكبر الملقى على النقالة كالج\ثة الهامشية؛ رجل بائس، غائر العينين، يرتجف من البرد والمرض. أجهش الابن الوسطاني بالبكاء، وركع على ركبتيه بجوار أخيه الأكبر، يمسك يده المرتجفة ويقول: “ماذا حل بنا يا أخي؟ أين عزنا؟ أين بيوتنا؟ أين كبرياؤنا الذي كنا نتباهى به؟”.
أشاح الأخ الأكبر بوجهه خجلاً، والدموع تسيل من عينيه الشاحبتين، ولم يستطع أن ينطق بكلمة واحدة، فصوته تكسر في صدره المريض.
وهنا، ظهر معدن الأصالة الذي لا يصدأ. لم تقف زوجة الابن الوسطاني موقف المتفرجة أو الشامتة. رغم كل ما ألحقه بها هذا الرجل وزوجته من إهانات واستبداد، ورغم سنوات السخرية التي تجرعتها منهما، دخلت شقتها وسحبت صرة صغيرة كانت تدخر فيها بعض المال من عملها البسيط في حياكة الملابس وتجهيز وجبات البيت للجارات.
خرجت بالمال، وقدمته لأخيها ورجال الإسعاف، وقالت بنبرة قطعت أنفاس الجميع: “انقلوه إلى المستشفى، وسأتدبر باقي المصاريف كل أسبوع. هذا رجل كان يوماً ما عم ولدي، وأنا لا أستطيع أن أراه يمت على العتبة كالكلاب الشاردة”.
سقطت الكلمات كالصاعقة على رؤوس أهل الشارع الذين كانوا يراقبون المشهد. بكى الأخ الأكبر بكاء مرامياً، وأخذ يضرب رأسه بجانب النقالة وهو يصرخ: “سامحيني يا فلانة.. سامحيني يا أختي! أنا الظالم وأنا النذل.. كنتُ أراكِ خادمة وأنتِ اليوم سيدة البيت والأصل كله!”.
دخل الأخ الأكبر المستشفى، وكانت زوجة الابن الوسطاني وولدها المهندس يترددان عليه بالدواء والأكل الساخن يومياً، بينما اختفت زوجته الأنيقة “ذات الأصل الرفيع” ولم تسأل عنه حتى قضى نحبه بعد أسابيع قليلة، ليُدفن في صمت رهيب دون أن يمشي في جنازته سوى أخوه الوسطاني وولد أخيه المظلوم.