مرات ابني حكايات امانى السيد 4

جلس الابن الأصغر على السرير، يرتجف ودموعه تخالط المخاط على وجهه الشاحب، ونظر إلى زوجة أخيه الوسطاني متوسلاً: “لماذا تفعلين هذا معي يا فلانة؟ بعد كل ما فعلناه بكِ؟ بعد أن تآمرنا عليكِ وجعلناكِ تغسلين أرضياتنا وتتحملين أوساخنا؟ لماذا لم تتركيني أموت في الشارع؟”.

نظرت إليه برفق، وأجابته بكلمات كانت كالبلسم والجمر في آن واحد: “لأنني لم أكن أعمل لأجلكم يا أبا فلان.. كنتُ أعمل لأجل الله، ولأجل أطفالي كي يكبُروا في بيئة طاهرة لا تحقد ولا تنتقم. أنا لا أرد لكم الإساءة بمثلها، بل أردها بالخير الذي علمني إياه بيتي وأهلي الذين كنتم تصفونهم بالضعف”.

انخرط الابن الأصغر في بكاء هستيري، وظل يكرر طلب العفو منها حتى غلبه النوم من شدة الإجهاد. ولم يلبث سوى أسابيع قليلة في تلك الغرفة، يلقى عناية أكل ودواء من يد تلك المرأة وابنتها الطبيبة الصغرى، حتى فاضت روحه إلى بارئها بسلام، ليلحق بأخيه الأكبر وأمه، متخففاً من أوزار الدنيا بعد أن نال صفح المرأة التي ظلموها جميعاً.

وبذلك، لم يبقَ من شجرة العائلة القديمة سوى الابن الوسطاني وزوجته السابقة وأبنائهما.

تحول الابن الوسطاني في أواخر أيامه إلى رجل زاهد، يقضي معظم وقته بين ورشته وصلاة المسجد، لا يبتسم إلا حين يرى ابنه المهندس يرتدي بدلته الرسمية متجهاً لشغله، أو ابنتها الطبيبة وهي ترتدي معطفها الأبيض. كان يتجنب الحديث في الماضي، لكنه كان يحرص كل ليلة على الجلوس أمام شقة زوجته السابقة، يضع بين يدي ابنه ما يتوفر معه من مال قليل، ويقول له: “هذا لبنيان بيتكم.. وأنا لا أطلب من أمك سوى أن تدعو لي بظهر الغيب أن يغفر الله لي يوم ألقاه”.

في إحدى الليالي، جمع الابن المهندس والدته وأبيه في صالة الشقة السفلى — وهي المرة الأولى التي يجتمع فيها الزوجان الساباقان في مكان واحد منذ ليلة الخروج الأليمة. جلس الشاب بينهما، وقال بصوت مليء بالرجاء والتقدير: “يا أمي.. يا أبي.. لقد مرت سنوات طويلة على تلك الحرب القديمة. مات كل من ظلم، وانهدمت العمارة على أوهامها، ولم يبقَ إلا نحن. أنا وأختي نجحنا بفضل الله ثم بفضل صبر أمي، وتعب أبي في ورشته. ألم يأنِ للشرخ أن يلتئم؟ ألا تستحق هذه العائلة أن تنغلق جراحها قبل أن ينتهي العمر؟”.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *