عودت مغترب حكايات اسما السيد 4
سيف رفع مسدسه ناحية السلم.
الظلام كان حالك.
وصوت خطوات الرجل كان بينزل ببطء… من غير أي استعجال.
كأنه واثق إن محدش هيقدر يمنعه.
الضابط همس:
“متتحركش… خليه يقرب.”
لكن الرجل وقف في آخر درجة.
ولا كان باين منه غير ظل طويل.
قال بصوت هادي:
“دورت على الدفتر الأسود سنين… وفي الآخر أبوك خباه أحسن من أي حد.”
سيف صرخ:
“مين إنت؟”
ضحك الرجل.
“لسه مش وقت تعرف.”
ثم رمى حاجة صغيرة على الأرض.
لفت تتدحرج لحد رجل سيف.
قنبلة دخان.
في أقل من ثانيتين…
الأوضة كلها اتمَلت بدخان أبيض كثيف.
الضابط صرخ:
“كمامات! اقفلوا المخرج!”
لكن الرؤية اختفت تمامًا.
سيف حاول يجري ناحية السلم.
خبط في الحيطة.
ولما الدخان بدأ يخف…
الرجل كان اختفى.
لكن على المكتب…
كان فيه ظرف جديد.
سيف فتحه بسرعة.
كان جواه مفتاح إلكتروني صغير.
وكارت مكتوب عليه:
“أنا أخدت الدفتر… لكن سبتلك النسخة اللي تستحقها.”
بص حوالين المكتب.
لقى درج كان مقفول قبل كده.
المفتاح الإلكتروني فتحه.
جواه هارد ديسك صغير.
وملف أصفر.
أول صفحة في الملف كان عنوانها:
“قائمة الشركاء السريين.”
سيف قلب أول ورقة…
واتجمد.
أول اسم كان لرجل أعمال مشهور.
تاني اسم كان نائب سابق.
تالت اسم كان لواء متقاعد.
والاسم الرابع…
خلّى سيف يقف فجأة.
“مستحيل…”
الضابط سأله:
“تعرفه؟”
سيف هز رأسه ببطء.
“ده… محامي أبويا.”
المحامي اللي كان بيزورهم في البيت كل أسبوع.
واللي هو بنفسه اللي أعلن وصية والده.
كمل تقليب الأوراق.
لقى إيصالات تحويلات بمئات الملايين.
وشركات وهمية.
وعقود شراء أراضي بأسماء مزيفة.
لكن في آخر الملف…
كانت صفحة مختلفة.
مكتوب عليها بخط اليد:
“الخائن داخل بيتك.”
تحت الجملة…
صورة ملونة اتصورت من كاميرا مراقبة.
الصورة كانت حديثة جدًا.
ماعداش عليها غير ساعات.
وسيف أول ما شافها…
حس إن قلبه وقف.
كانت لسارة…
واقفة في مطبخ الفيلا.
وبتتكلم مع شخص ما.
الصورة كانت من زاوية بعيدة.
لكن الشخص كان مخفي عمدًا.
وجهه خارج الكادر.
وسارة كانت بتسلمه ظرفًا أبيض.
الضابط بص للصورة.
ثم بص لسيف.
“إحنا منعرفش اللي في الصورة.”
لكن الشك بدأ يتسلل لقلب سيف رغم إنه كان رافض يصدق.
قبل ما ينطق…
رن هاتفه.
رقم مجهول.
رد فورًا.
وجاله صوت ملك، وهي بتتكلم بسرعة وكأنها مستخبية:
“بابا… متزعلش من ماما…”
“هي عملت كده علشان تنقذك.”
وفجأة…
انقطع الاتصال.
وبعد ثانيتين وصلت رسالة على هاتفه فيها عنوان جديد، ومعها سطر واحد فقط:
“لو عايز تعرف الحقيقة كاملة… تعالى قبل الساعة 12. بعد كده، مش هتشوف بنتك تاني.”الضابط مد إيده وقال:
“هات التليفون.”
سيف سلمه الموبايل.
الضابط بص على العنوان، واتجمد.
“المكان ده…”
“ماله؟”
“مصنع المنصوري القديم.”
سيف عقد حاجبيه.
المصنع ده اتقفل من خمس عشرة سنة بعد حريق كبير مات فيه أكتر من عشرين عامل.
أبوه كان بيعتبر اليوم ده أسوأ يوم في حياته.
ومن ساعتها…
ولا واحد من العيلة دخله تاني.
قال سيف:
“يبقى هناك.”
الضابط هز راسه.
“وده معناه إن اللي باعت الرسالة عارف تاريخ العيلة كلها.”
…
انطلقت العربيات.
لكن قبل ما يوصلوا المصنع بحوالي كيلو…
سيف وقف العربية فجأة.
الضابط استغرب.
“وقفت ليه؟”
سيف نزل من العربية.
وقال:
“هو متوقع إننا ندخل بالموكب ده.”
“يعني أول ما يشوفنا… هيهرب.”
خلع الجاكيت.
وساب العربية.
وقرر يكمل آخر مسافة على رجليه وسط الأراضي الزراعية اللي حوالين المصنع.
الضابط قسم القوة لمجموعتين.
مجموعة تدخل من البوابة الرئيسية.
ومجموعة تلف من الخلف.
أما سيف…
فكان بيتحرك لوحده.
كل خطوة كانت بتقربه من بنته.
…
وصل لسور المصنع.
السور كان مكسور من ناحية الترعة.
دخل منه.
المكان كله ظلام.
ورش قديمة.
ماكينات عليها صدأ.
وأصوات معدن بتتحرك مع الهوا.
لكن فجأة…
سمع ضحكة صغيرة.
ابتسم رغم خوفه.
كان حافظ الضحكة دي.
ضحكة ملك.
جرى ناحية الصوت.
فتح باب عنبر قديم.
لقى نور خافت جاي من آخر المكان.
قرب بحذر.
وشاف ملك.
كانت قاعدة على كرسي، قدامها أكل ولعب، ومفيش أي أثر إنها متأذية.
أول ما شافته صرخت:
“بابا!”
جريت عليه.
حضنها بقوة.
فضل يبوس في شعرها وهو بيقول:
“خلاص… خلاص يا حبيبتي.”
لكن ملك همست في ودنه وهي بترتعش:
“بابا… امشِ.”
سيف بعد عنها.
“ليه؟”
قالت وهي بتبكي:
“قالولي أول ما تيجي… أقولك تهرب.”
في اللحظة دي…
صوت باب حديد ضخم اتقفل بعنف.
العنبر كله اتهز.
الأنوار اشتغلت مرة واحدة.
وسمعوا صوت تصفيق.
سيف لف بسرعة.
كان فيه راجل واقف فوق السلم المعدني في الدور الثاني.
وشه لسه مستخبي في الضلمة.
لكن صوته كان واضح.
“أحسنت يا سيف.”
“نجحت في كل الاختبارات.”
سيف صرخ:
“مين إنت؟”
الرجل ضحك.
“أنا الشخص الوحيد…”
“…اللي يعرف الحقيقة الكاملة عن ليلة الحريق.”
سيف سكت.
الرجل كمل:
“أبوك ما ماتش وهو بريء.”
“وشريف ما بدأش الج-ريمة.”
“كل اللي حصل من تلات سنين…”
“…بدأ من الليلة اللي مات فيها عمال المصنع.”
ثم ضغط على جهاز صغير في إيده.
فاشتغلت شاشة عملاقة داخل العنبر.
وظهر عليها تسجيل قديم بالأبيض والأسود من كاميرات المصنع…
بتاريخ يرجع إلى خمس عشرة سنة.
ولأول مرة…
ظهر والد سيف في التسجيل، وهو داخل غرفة التحكم قبل دقائق فقط من اندلاع الحريق.
ظهر والد سيف داخل غرفة التحكم.
كان بيتكلم بعصبية مع مدير المصنع.
الصوت كان مشوش.
لكن خبير الأدلة اللي كان واقف مع القوة وصل جهاز تنقية للصوت.
بدأت الكلمات تبان.
مدير المصنع قال:
“يا باشا… لازم نوقف خط الإنتاج.”
رد والد سيف بغضب:
“العمال لسه جوه.”
قال المدير:
“الخزانات فيها تسريب.”
سكت ثواني.
ثم كمل:
“لو شغلنا الخط… المصنع كله ممكن يولع.”
في اللحظة دي…
الصورة وقفت.
وسمعوا صوت الراجل الغامض وهو بيضحك.
“شايف؟”
“أبوك عرف بالخطر.”
سيف قبض على إيده بقوة.
لكن الراجل ضغط زرار تاني.
وكمل الفيديو.
ظهر والد سيف وهو بيجري خارج غرفة التحكم.
لكن بدل ما يخرج من المصنع…
كان بيجري ناحية عنبر العمال.
الراجل الغامض قال:
“كمّل الفرجة.”
ثواني…
وظهر انفجار ضخم.
الكاميرات اتشوشرت.
ولما الصورة رجعت…
كان والد سيف بيخرج شايل عامل مصاب على كتفه.
ورا العامل…
ست كبيرة في السن.
وبعدها طفل صغير.
ورجع تاني جوه النار.
ثم رجع شايل عامل تاني.
ثم دخل مرة تالتة.
وبعدها…
اختفى.
الفيديو انتهى.
العنبر كله سكت.
الضابط بص للرجل الغامض وقال:
“إنت كنت بتحاول تثبت إنه مذنب…”
“لكن الفيديو بيقول العكس.”
الرجل فضل ساكت.
ثم قال بهدوء:
“ده أول تسجيل.”
وضغط زرار جديد.
ظهر فيديو تاني.
بعد الحريق بساعتين.
والد سيف كان قاعد في مكتب صغير.
قدامه شخص لابس بدلة سوداء.
الصوت كان أوضح.
الرجل قال:
“لو الحقيقة ظهرت… شركاتنا كلها هتقع.”
رد والد سيف:
“أنا هتحمل المسؤولية.”
الرجل ابتسم.
“لا…”
“إنت هتموت.”
سيف حس بقشعريرة.
قرب من الشاشة.
الرجل اللي كان في الفيديو…
وشه ماكانش واضح بالكامل.
لكن الساعة اللي في إيده…
كانت نفس الساعة اللي شافها في الصورة القديمة مع فؤاد السيوفي.
سيف همس:
“فؤاد…”
الرجل الغامض صفق ببطء.
“أخيرًا بدأت تربط الخيوط.”
ثم نزل أول درجة من السلم.
ولأول مرة…
خرج من الظل.
كان في أواخر الستينات من عمره.
شعره أبيض.
بدلته أنيقة.
وعلامة قديمة بطول خده الأيسر.
سيف شهق.
عرفه فورًا.
“أستاذ… نبيل.”
المحامي الشخصي لوالده.
الرجل اللي كان يدخل بيتهم كل أسبوع.
واللي حضر كل اجتماعات العيلة.
ابتسم نبيل وقال:
“عرفتني أخيرًا.”
سيف صرخ:
“إنت اللي خطفت بنتي؟”
نبيل هز رأسه بهدوء.
“أنا ما خطفتهاش.”
“أنا حميتها.”
“لأن اللحظة اللي بدأت تدور فيها على الدفتر الأسود…”
“…صدر قرار بقتلك أنت، وسارة، وملك.”
الضابط رفع سلاحه.
“ارفع إيدك.”
لكن نبيل لم يتحرك.
بل أخرج جهاز تحكم صغير من جيبه.
وقال:
“لو دوست الزر ده…”
“…كل الملفات اللي بتدوروا عليها هتتحرق.”
ثم نظر مباشرة إلى سيف وأضاف:
“دلوقتي عندك اختيار واحد.”
“إما تقبض عليّ…”
“أو تعرف مين الشخص اللي أصدر أمر قتل عيلتك.”
وأخرج من جيبه صورة قديمة، ووضعها على الأرض أمام سيف.
كانت صورة لاجتماع مرّ عليه أكثر من عشرين سنة.
وفيها خمسة رجال.
أربعة منهم سيف عرفهم.
أما الخامس…
فكان وجهه ممزقًا عمدًا، كأن أحدًا حرص ألا يعرفه أحد.
سيف انحنى والتقط الصورة.
فضل يبص فيها ثواني طويلة.
أربعة الوجوه كانوا واضحين.
والده.
فؤاد السيوفي.
المحامي نبيل.
ورجل الأعمال كمال الدمنهوري.
أما الخامس…
حد كان قاصد يقطع وشه بس*كينة.
نبيل قال بهدوء:
“بص كويس.”
سيف قرب الصورة من النور.
لاحظ حاجة غريبة.
على ياقة بدلة الرجل الممزقة…
كان فيه جزء صغير من شعار معدني.
النسر الذهبي.
الشعار ده كان بيتعمل مخصوص لأعضاء مجلس إدارة شركة اسمها الشرق المتحدة للاستثمار.
شركة اتصفّت من أكتر من عشرين سنة.
سيف رفع عينه.
“مين الراجل ده؟”
نبيل ابتسم.
“أنا لو قلتلك اسمه دلوقتي… هتعتبرني كداب.”
“عايزك تعرف بنفسك.”
ثم أخرج مفتاحًا آخر.
وحطه قدام سيف.
“ده مفتاح خزنة في بنك.”
“رقمها 309.”
“كل الإجابات هناك.”
الضابط صرخ:
“كفاية ألغاز.”
“إنت متهم بخطف طفلة.”
نبيل بص ناحية ملك.
“تعالي يا ملك.”
الكل اتوتر.
لكن المفاجأة…
ملك ما اتحركتش.
بل استخبت ورا سيف.
ابتسم نبيل بحزن.
“الحمد لله…”
“لسه بتثق في أبوها.”
سيف قال بغضب:
“يعني إيه حميتها؟”
نبيل أخذ نفسًا طويلًا.
“من أسبوع…”
“وصلني ملف.”
“فيه قرار بتصفية كل ورثة منصور المنصوري.”
“أول اسم كان أنت.”
“تاني اسم سارة.”
“تالت اسم…”
بص ناحية ملك.
“…بنتك.”
سيف قال:
“مين أصدر القرار؟”
نبيل سكت.
ثم قال:
“الاسم مكتوب في الخزنة.”
وفجأة…
صوت رصاص دوّى داخل العنبر.
الرصاصة عدت جنب رأس نبيل.
واستقرت في الحائط.
الكل ارتمى على الأرض.
الضباط ردوا بإطلاق النار ناحية الشبابيك.
لكن مفيش حد كان باين.
سيف حضن ملك.
وسارة حضنتهم هما الاتنين.
الرصاص وقف بعد ثواني.
لكن لما بصوا ناحية نبيل…
لقوه واقع على الأرض.
رصاصة أصابته في كتفه.
الدم كان بينزل بغزارة.
سيف جري عليه.
“استحمل.”
نبيل مسكه من هدومه.
وقال بصوت ضعيف:
“اسمعني…”
“متثقش…”
وسكت.
سيف قرب ودنه.
“متثقش بمين؟”
نبيل حاول يتكلم.
لكن صوته اختفى.
وفجأة…
مد إيده المرتعشة ناحية الضابط اللي واقف جنب سيف.
وأشار عليه بإصبعه.
سيف اتجمد.
الضابط نفسه اتصدم.
“إنت بتشير عليّ ليه؟!”
نبيل فتح عينه بصعوبة.
وقال آخر كلمة قبل ما يفقد وعيه:
“…هو…”
ثم سكت تمامًا.
العنبر كله دخل في صمت ثقيل.
كل العيون اتجهت للضابط.
الضابط رفع إيده ببطء وقال:
“أنا معرفوش…”
لكن في نفس اللحظة…
رن هاتف الضابط.
نظر إلى الشاشة…
وتغير لون وجهه.
أغلق الهاتف بسرعة قبل أن يرى أحد اسم المتصل.
إلا أن سيف كان أسرع.
في جزء من الثانية…
قرأ الاسم الذي ظهر على الشاشة.
وكان مكتوبًا بوضوح:
“فؤاد السيوفي.”
رغم أن الجميع كان يعتقد…
أن فؤاد السيوفي مات منذ سبع سنوات.
سيف اتجمد وهو شايف اسم فؤاد السيوفي على شاشة التليفون.
لكن الضابط بسرعة ضغط زر الإغلاق.
قال بتوتر:
“مش فؤاد السيوفي نفسه… ده رقم قديم كان متسجل بالاسم ده من سنين، ولسه موجود عندي.”
قبل ما سيف يرد…
المستشفى اتصل.
الدكتور بلغهم إن نبيل فاق من البنج، وطلب يشوف سيف فورًا.
…
بعد ساعة…
دخل سيف أوضة نبيل.
نبيل كان تعبان جدًا.
أول ما شاف سيف، ابتسم وقال:
“الحمد لله… ملك بخير.”
سيف قرب منه.
“كفاية ألغاز يا أستاذ نبيل… الحقيقة كلها.”
أغمض نبيل عينيه وقال:
“أبوك كان أشرف راجل عرفته.”
“والحريق القديم ماكانش بسببه.”
“كان بسبب شريف وشركاه اللي كانوا بيسرقوا مواد خطرة من المصنع، ولما أبوك اكتشفهم حاول ينقذ العمال قبل ما يبلغ عنهم.”
“ومن يومها بدأوا يخططوا يسيطروا على كل ثروة العيلة.”
سيف سأل:
“وأنت ليه ساعدتهم فترة؟”
دموع نبيل نزلت.
“هددوني بولادي.”
“ولما كبروا وبقوا في أمان… قررت أصلح كل حاجة.”
ثم أخرج من تحت الوسادة فلاشة.
“دي النسخة الأصلية.”
“فيها كل الأدلة.”
…
بعد أيام…
النيابة قبضت على كل أفراد الشبكة.
شريف اعترف بكل الجرائم مقابل تخفيف العقوبة.
واعترف إنه خدع أمه، واستغل خوفها على العيلة، وخلاها تشارك في ظلم سارة من غير ما تعرف حجم الكارثة.
أما الحاجة نوال…
فطلبت تقابل سارة.
أول ما شافتها، وقعت على ركبها.
وقالت وهي بتبكي:
“سامحيني… ضيعت عمرك.”
سارة سكتت لحظات.
ثم قالت:
“أنا مش هنسى اللي حصل…”
“…لكن علشان ملك، مش هزرع فيها الكره.”
ومدت إيدها تساعدها تقوم.
الحاجة نوال انفجرت في البكاء لأول مرة.
…
بعد ستة أشهر…
رجعت شركة المنصوري أقوى من الأول.
سيف أعلن إنشاء صندوق باسم والده لتعويض أسر العمال اللي اتوفوا في الحريق، وبنى مدرسة ومستشفى خيري على أرض المصنع القديم.
وكان أول قرار أخده…
تعيين سارة مديرة للمؤسسة الخيرية، لأنها كانت أكتر شخص عرف معنى الصبر والرحمة.
أما ملك…
فرجعت مدرستها.
وفي أول يوم، رسمت صورة لعيلتها.
الأب.
والأم.
وهي واقفة بينهم.
ولما المدرسة سألتها:
“إيه عنوان الرسمة؟”
ابتسمت وقالت:
“بيتي رجع.”
…
وفي ليلة هادئة، كانوا قاعدين كلهم في جنينة الفيلا.
ملك كانت بتجري وتلعب.
سارة بصت لسيف وقالت:
“لو رجع بيا الزمن… كنت هحارب أكتر علشان أوصلك الحقيقة.”
سيف مسك إيدها وقال:
“وأنا لو رجع بيا الزمن… ماكنتش هسمح لحد ياخد مكاني جنبك.”
ابتسمت.
وبعد أيام قليلة…
اتعمل كتب كتابهم من جديد.
لكن المرة دي كان بسيط، حضره المقربين فقط.
وكانت ملك هي أول واحدة وقفت بين أمها وأبوها وهي بتضحك.
ولما المأذون قال:
“بارك الله لكما وبارك عليكما…”
صفقت ملك بكل فرحة، وقالت بصوت عالي:
“كده بقى محدش هيبعدنا عن بعض تاني.”
ضحك الجميع.
وضمها سيف وسارة بينهما.
وفي تلك اللحظة، أدرك سيف أن كل ثروات الدنيا لا تساوي شيئًا أمام حضن عائلته الذي عاد إليه أخيرًا.
مرّت سنة كاملة…
والحياة اتغيرت تمامًا.
الشركة رجعت أقوى من الأول.
لكن سيف بقى شخص مختلف.
ما بقاش أول واحد يوصل المكتب.
بقى أول واحد يوصل المدرسة.
كل صباح كان يمسك إيد ملك وينزل معاها من العربية.
ولما توصل باب الفصل، كانت تبصله وتقول:
“متتأخرش عليا.”
فيضحك ويقول:
“مستحيل.”
…
أما سارة…
فرجعت تشتغل، لكن المرة دي بإرادتها.
كانت بتدير المؤسسة الخيرية اللي أسسها سيف باسم والده.
كل أسبوع كانوا يزوروا قرية جديدة.
يبنوا سقف لبيت.
يعالجوا مريض.
أو يساعدوا طالب يكمل تعليمه.
وسيف كان دايمًا يقول:
“أبويا كان نفسه يعمل ده بنفسه.”
…
أما الحاجة نوال…
فقررت تبيع كل المجوهرات والهدايا الغالية اللي كانت اشترتها بفلوس ظلمها.
وأصرت إن الفلوس كلها تروح للمؤسسة الخيرية.
وفي كل مناسبة كانت تزور سارة.
مش كحماتها…
لكن كأم بتحاول تصلح اللي أفسدته.
وسارة، رغم الجرح الكبير، كانت تعاملها باحترام.
لأنها كانت عارفة إن التسامح أصعب بكتير من الانتقام.
…
وفي يوم عيد ميلاد ملك العاشر…
قرر سيف يعمل حفلة بسيطة في نفس الفندق اللي بدأت فيه المأساة.
لكن المرة دي…
ماكانش فيه مظاهر مبالغ فيها.
ولا استعراض.
ولا رجال أعمال.
كان فيه أطفال من دار أيتام.
وأطفال من الأسر البسيطة.
وكلهم قاعدين ياكلوا ويضحكوا مع ملك.
وقبل تقطيع التورتة…
طلبت ملك الميكروفون.
الكل سكت.
قالت بابتسامة:
“من سنة… أنا كنت باخد العيش من الزبالة.”
القاعة كلها هديت.
“لكن النهارده… بابا علمني إن الأكل نعمة.”
“علشان كده… أي أكل هيفضل من الحفلة هيتوزع على الناس المحتاجة.”
سيف بص لسارة.
ولقى دموع الفخر في عينيها.
بعد انتهاء الحفلة…
خرجوا التلاتة يتمشوا في الجنينة.
ملك كانت ماشية بينهم، ماسكة إيد أمها بإيد، وإيد أبوها بالإيد التانية.
وفجأة وقفت.
وقالت:
“بابا.”
“نعم يا قلب بابا؟”
“فاكر أول مرة شفتني؟”
سيف نزل لمستواها.
وقال وهو بيبتسم:
“فاكر.”
قالت وهي تضحك:
“أنا الحمد لله مبقتش أدور على العيش في الزبالة.”
حضنها بقوة.
وقال:
“وأنا أوعدك… طول ما أنا عايش، عمرك ما هتحتاجي تدوري على حاجة غير أحلامك.”
رفعت سارة رأسها للسماء.
وأخذت نفسًا عميقًا.
لأول مرة منذ سنوات…
شعرت بالأمان.
أما سيف…
فنظر إلى زوجته وابنته، ثم ابتسم وقال في نفسه:
“الثروة الحقيقية عمرها ما كانت في البنوك…
كانت واقفة قدامي طول الوقت.”
وانتهت الحكاية، لكن بقيت رسالتها:
قد ينجح الكذب في سرقة سنوات من العمر…
لكن الحقيقة، مهما تأخرت، قادرة على أن تعيد الأسرة إلى بعضها من جديد.
تمت بحمد الله.