حكايات اسما السيد 2
اتصدمت من رد فعلي، ملامحها اتغيرت للجمود والشر، وقالت بنبرة تهديد:
“أنا؟ بقى أنا اللي ما بحسش؟ تمام يا أحمد.. لما نشوف مين فينا اللي مش بيحس، ومين اللي ماشي يرمي فلوسه يمين وشمال وبيصرف على قضايا وأسرار ومستندات، وفاكرني مغفلة ومش فاهمة أنت بتعمل إيه!”
سابتني ودخلت الأوضة وربدت الباب وراها بعنف.
قعدت على الكنبة وحطيت رأسي بين إيديا. الصداع كان هيفرتك جمجمتي. كلامها وكلام مراتي الأولى كان بيلتقوا في نقطة واحدة: النهاية بتقرب، والتراكمات اللي غطيتها بالغشيم والغرور بدأت تنفجر في وشي كلها في وقت واحد.
عدت ليلة من أصعب ليالي حياتي. ما نمتش فيها ولا دقيقة. الفجر أذن، قمت اتوضيت وصليت، ودموعي كانت بتنزل على سجادة الصلاة لأول مرة من سنين. كنت بدعي ربنا يسندني، وفي نفس الوقت كنت حاسس إن الدعاء محبوس في السقف.. كيف يستجاب لراجل ظلم ست مخلصة ورمى ابن من صلبه؟
على الساعة تسعة الصبح، أخدت قرار إني مش هسكت على تهديد الرسالة. لازم أعرف السر، ولازم أعرف أصل الحكاية قبل ما أسافر أو أخد أي خطوة قانونية.
طلبت رقم سامح المحامي تاني. رن الموبايل مرتين قبل ما يرد بصوت جاف:
“أيوة يا أحمد.. خير؟”
قلت له بصوت راعف ومرتبك: “سامح.. أنا جالي رسالة منها.. رسالة بتهددني فيها بسر كبير.. سر بتقول إنه يهد حياتي وما يخلينيش أمشي في الشارع مرفوع الرأس.. أرجوك يا سامح، أنت صاحب عمري وأكيد عارف حاجة.. إيه السر ده؟ هي بتتكلم عن إيه؟”
سامح سكت لفترة طويلة.. السكوت كان تقيل جداً على ودني. سمعت صوت زفيره الطويل عبر التليفون، وبعدين قال بنبرة هادية وبطيئة مليانة شفق وضيق:
“أنا حذرتك يا أحمد.. قلت لك بلاش تنبش في القبور.. أنت فاكر إنك كنت الراجل القوي اللي بيتحكم في كل حاجة؟ أنت كنت عايش في وهم.. السر اللي بتتكلم عنه مش سرها هي.. ده سرك أنت وسر عيلتك اللي هي شالته وسكتت عنه عشان ما تحرجكش قدام نفسك ولا قدام الناس.”
قلبي اتخلع من مكانه: “سري أنا؟ سر إيه يا سامح؟ اتكلم بصراحة الله يخليك!”
قال لي سامح:
“فاكر لما أبوك الله يرحمه تعثر ماليًا قبل ما يموت بسنتين؟ وفاكر لما المحل الكبير بتاعكم كان هيتباع في المزاد العلني بسبب الديون والشيكات المكسورة؟ أنت وقتها كنت فاكر إن أبوك حل المشكلة بإن يدخل شريك سري ودفع الفلوس وإن الأزمة عدت.. أنت ما كنتش تعرف إن الشريك السري ده ما كانش حد غريب.. دي كانت هي! هي اللي باعت الشقة الصغيرة اللي أورثتها عن أمها، وأدّت الفلوس لأبوك في السر، واشترطت عليه ما يقولكش ولا يكتب اسمها في العقود، عشان ما تحسكش إنك اتجوزت واحدة أعلى منك ماديًا أو إن ليها فضل عليك أو على عيلتك!”