حكايات اسما السيد 1
نزلت السلم وأنا مش حاسس برجلي. ركبت العربية وفضلت قاعد فيها لغاية ما الشمس طلعت، مش قادر أتحرك ولا قادر أستوعب إن ابن من صلبي ممكن يعيش وينادى لراجل تاني بـ “بابا”، وإن الإنسانية اللي ظلمتها رميتها بنفسي لإيد غيري يعرف قيمتها.
رجعت الشقة وأنا شبه ميت. أول ما فتحت الباب، لقيت مراتي الحالية واقفة في الصالة، مربعة إيديها وملامحها كلها غضب:
“كنت فين يا أحمد؟ نزلت زي المجنون وسيبتني طول الليل؟ وبعدين إيه الحكاية بالظبط؟ كل ما نفتح سيرة المصاريف ولا طلبات البيت تتقلب وتخرج؟”
بصلتلها بذهول.. الشغف، الجمال الخارجي اللي كنت موهوم بيه زمان، كله اتبخر. قدامي واحدة مش شايفاني غير خزانة فلوس ومصنع تلبية طلبات، في حين إن اللي كانت مستعدة تستحمل معايا المر وستراني قدام أهلي ونفسي، أنا اللي فرطت فيها بغبائي.
رديت بصوت ميت: “مفيش حاجة.. تعبان وعايز أنام.”
سيبتها ودخلت الأوضة وقفلت على نفسي. فضلت أسبوع كامل زي الخيال في البيت.. بشتغل وبأكل وبأشرب من غير روح. مراتي بدأت تلاحظ التغير، وبدل ما تحاول تفهم، زادت الطلبات وزاد الضغط، والمصاريف بقت تزيد يوم عن يوم، وكأنها حاسة إن عقلي مش معاها فبتحاول تأمن نفسها بالفلوس والمشتريات.
لكن أنا ما كنتش قادر أسكت. كلمة “ابنك” كانت بتكتفني كل ليلة.
قررت أتحرك.. اتصلت بصديق مشترك بيني وبين أهلها، كان المحامي اللي كتب عقد الطلاق وقتها. قابلته في كافيه هادي، وأول ما قعدت قدامه، مسكت إيده وقلت له:
“أنا عايز أوصل لها يا سامح.. أرجوك، أنا عرفت كل حاجة. عرفت إنها كانت حامل، وعرفت إنها كانت بتصرف عليا، أنا ظلمتها وأكلت حقها ولازم أصلح غلطتي.. قولي هي فين بالظبط؟”
سامح بص لي بأسف وهز راسه:
“يا أحمد.. انت جاي تدور على اللي رميته بعد ما غيرك لمه وصانه؟ هي لما طلقت منك كانت مدمرة، بس ربنا عوضها بعبد الله.. ابن عمها اللي كان مسافر وبره مصر من سنين، وأول ما عرف بطلاقها نزل وفضل جنبها. لما عرف إنها حامل، تمسك بيها أكتر، وقالها ابن أحمد هيربى في حضني وهيكون زي ابني بالظبط، واتجوزها وسافروا السعودية.”
قلبي اتخلع: “السعودية؟! يعني هي هناك دلوقتي؟ وسامحني.. هو كاتب الطفل باسمه بالباطل؟”