بعد ما ورثت بيت ابويا حكايات روماني مكرم 3
قال المستشار وهو يشغل محرك السيارة:
— العقد مكتوب فيه إن والدك الله يرحمه أجر البيت بالكامل لطارق شخصياً قبل جوازكم بسنة، بمبلغ رمزي جداً ومدفوع مقدم إيجار عن المدة كلها! طارق بيدعي إن والدك عمل كده كـ “مهر وتأمين” ليه عشان يتجوزك ويحافظ على البيت، وإن طارق شال العقد ده ومظهروش طول السنين اللي فاتت مراعاة لخواطرك، لكن لما إنتي “طردتيه” ووقعتيه في فخ ممتلكاته، قرر يظهر العقد عشان يثبت إن ليه حق منفعة قانوني في البيت لمدد طويلة جداً مفيش قوة تقدر تخرجه منها، وبكده حتى لو البيت ملكك، مش هتقدري تعيشي فيه ولا تبيعيه ولا تتصرفي في شبر منه!
شعرت بغصة في حلقي. هل يعقل أن يكون أبي قد فعل ذلك؟ لا.. مستحيل. أبي كان يعلم مدى طمع طارق، ورسالته في الخزنة كانت واضحة: *”لو في يوم حد فكر يستقوى عليكي.. روحي للراجل ده”*. قلت بثقة ويقين: — العقد ده مزور يا سيادة المستشار. أبويا مستحيل يمضي على ورقة زي دي من ورايا، ومستحيل يسلم رقبتي لطارق من قبل حتى ما نتجوز. طارق زور امضاء أبويا! التفت إليّ المستشار رفعت ونظرة الإعجاب بصلابتي تملأ عينيه:
— وأنا رأيي من رأيك يا بنتي. الأستاذ هشام الله يرحمه كان رجل قانون ومستحيل يقع في غلطة زي دي. طارق استغل السبع سنين اللي عاشهم معاكي في البيت، ودخوله لمكتب والدك، وأكيد لقى ورقة قديمة عليها امضاء والدك أو درس خطه بالمسطرة والقلم وزور العقد ده بمساعدة محامي منعدم الضمير. لكن المشكلة إن العقد ده متقدم للنيابة بطلب رسمي، والنيابة هتحوله للطب الشرعي لـ “أبحاث التزييف والتزوير” عشان يفحصوا الخط والامضاء، والموضوع ده بياخد وقت، وطارق هيستغل ده عشان يطلب إخلاء سبيله على ذمة القض..ية ويدخل البيت بقوة القانون كـ “مستأجر حائز”!
نظرت من نافذة السيارة إلى شوارع المعادي الهادئة، والضوء الخافت المنبعث من أعمدة الإنارة يذكرني بليلة اقتحام طارق للحوش. فكرت بعمق، وتذكرت شيئاً مهماً.. شيئاً صغيراً جداً قد يقلب الطاولة على طارق ويدفنه في السجن إلى الأبد بتهمة التزوير الجنائي. التفتت للمستشار وقلت بابتسامة حادة: — خليه يقدم العقد للطب الشرعي يا سيادة المستشار، وخليه يفرح باللعبة دي كام يوم. طارق نسى حاجة مهمة أوي وهو بيزور العقد ده.. حاجة هتكشف كذبه من أول دقيقة فحص للورق!