البيت ليس لي حكايات منى السيد
قبل ما تفتكروا إن أصعب حاجة في الجواز هي الخناقات أو ضيق الفلوس… أحب أقولكم إن في لحظات بتكسر جواك حاجة عمرها ما بترجع زي الأول.
أنا لسه متجوزة جديد، ولسه بحاول أتعود على البيت الجديد وعلى الحياة اللي كنت فاكرة إنها هتبقى مليانة خصوصية وراحة. كنت أنا وجوزي في أوضة النوم، مع بعض، وفجأة سمعنا خبط شديد على الباب.
جوزي بصلي وقال بهدوء سيبيها دقيقة.
الخبط زاد.
فضل ساكت، وما فتحش.
بعدها الخبط وقف… افتكرنا إنها مشيت.
لكن اللي حصل بعدها خلاني أحس إن الأرض انسحبت من تحت رجلي.
فجأة… باب الأوضة اتفتح.
وقفت مكاني متجمدة.
حماتي كانت واقفة قدامنا.
أنا ماكنتش أعرف أصلًا إن معاها مفتاح لأوضة نومنا.
بصتلنا وقالت بمنتهى البرود إنتوا مش بتفتحوا علشان اللي بتعملوه ده؟ افرضوا كنت تعبانة وعايزاكم؟
وبدون ما تستنى أي رد… لفت ونزلت شقتها.
أما أنا…
كنت حاسة إني اتعرّيت قدام الدنيا كلها.
فضلت أبص لجوزي وأنا مستنية أي رد… أي ڠضب… أي كلمة تدافع عن اللي حصل.
لكنه اكتفى إنه قال معلش… متزعليش.
بس.
معلش؟
الكلمة دي كانت أصعب عليا من دخولها نفسه.
أنا قعدت أعيط وقتها، وهو حاول يهديني ويقولي إن أمه طبعها كده، وإنها مش قصدها حاجة.
لكن أنا كنت حاسة إن في حاجة غلط.
غلط كبير.
مش فكرة إنها خبطت…
ولا حتى إنها كانت محتاجة حاجة.
الغلط إنها شايفة إن من حقها تفتح باب أوضة نوم ابنها في أي وقت.
ومن ساعتها، بقيت كل ليلة وأنا داخلة أوضتي أبص على الباب عشر مرات.
أتأكد إنه مقفول.
وبعدين أفتكر…
إن القفل نفسه ملوش أي قيمة طالما في حد معاه المفتاح.
بدأت ألاحظ حاجات ماكنتش واخدة بالي منها.
كل مرة أنزل المطبخ، ألاقي حماتي عارفة إحنا صحينا إمتى، ونمنا إمتى، وحتى عرفِت مرة إننا خرجنا بالليل رغم إنها ما شافتناش.
في الأول قلت يمكن صدفة.
لكن الصدف لما بتتكرر… بتبطل تبقى صدف.
في يوم سألت جوزي بهدوء هو… مامتك معاها مفاتيح البيت كلها؟
اتردد ثانية، وبعدين قال آه… من زمان.
سألته حتى أوضة النوم؟
نزل بعينه في الأرض، وقال المفتاح
كان موجود مع كل المفاتيح… عمرنا ما فكرنا ناخده منها.
الكلمة دي خوفتني.
عمرنا.
يعني بالنسبة له، الموضوع عادي.
بدأت أحس إني ضيفة في بيتي، وإن أي لحظة ممكن الباب يتفتح من غير استئذان.
بقيت أسمع أي صوت في الطرقة، قلبي يدق.
وبقيت أخاف أبدل هدومي إلا بعد ما أتأكد إن الباب متقفل… وأرجع أفتكر إن القفل نفسه ممكن يتفتح في ثانية.
لكن اللي خلاني أتأكد إن الموضوع أكبر بكتير من مجرد قلة خصوصية… حصل بعد أسبوع.
كنت خارجة من الأوضة بالصدفة، ولقيت حماتي واقفة قدام بابنا… ماسكة سلسلة مفاتيح كبيرة في إيدها.
أول ما شافتني، خبّت المفاتيح بسرعة وابتسمت ابتسامة غريبة.
وقالت جملة واحدة…
جملة خلت الډم يتجمد في عروقي، لأن ساعتها عرفت إن دخولها علينا يومها… ماكنش صدفة أصلًا.
الفصل الثاني سلسلة المفاتيح
الډم نشف في
عروقي، وحسيت إن الحيطان اللي حواليا بتميل وتقفل عليا. الابتسامة الغريبة اللي رسمتها على وشها وهي بتخبي المفاتيح ورا ضهرها كانت أغرب بكتير من أي كلام ممكن تقوله.
قربت مني بخطوات هادية، كأنها مش عاملة مصېبة، وبصتلي من فوق لتحت وقالت بصوت واطي ومليان سم متغلف بالدلع المصطنع
إيه يا عروسة؟ واقفة كده ليه؟ كنتِ بتبصي على إيه؟ اصل أصلًا الكالون بتاع الباب ده قديم، وكنت جايبة السباك يشوفه عشان أطمن عليكم.. اصل أنتم شباب وبتنسوا تقفلوا كويس بالليل، وأنا بخاف عليكم.
خلصت الجملة، وسابتني واقفة مكاني زي المضړوبة على دماغي.
السباك؟ كالون قديم؟ وهي من امتى أصلًا بتهتم إذا كنا بنقفل ولا لأ؟ الكلام كان متفصل وجاهز، بس الحقيقة كانت أبشع بكتير من إنها تتداري بكلمتين. هي ما كانتش بتصلح الكالون.. هي كانت بتعمل جولة تفقدية، وربنا وحده عالم هي دخلت أوضتنا كام مرة وأنا مش موجودة، أو فتحت درابين ايه، أو صوّرت ايه بعينها عشان تيجي بعد كده تحاسبنا على الصغيرة والكبيرة.
طلعت تجري على جوزي.. دخلت الأوضة ولقيته قاعد على السرير بيلعب في تليفونه، كأن اللي بره دي جارة معدية مش أمه اللي بټقتحم حياتنا بالماستركي.
قلت بصوت متهدج ودموعي على أطراف عيني
امتك.. امتِك كانت بره دلوقتِ حالا، وماسكة المفاتيح كلها في إيدها، وبتبرر بتقول ايه؟ بتقول بتصلح الكالون!
بص لي بملل، ونزل تليفونه ببطء وقال
يا حبيبتي ما احنا اتكلمنا في الموضوع ده امبارح.. مامي طيبة وعايزة تطمن، انتي ليه مصممة تكبري الحكاية وتعملي من الحبة قبة؟
أكبر الحكاية؟! صړخت بصوت شبه مكتوم من كتر القهر. يا بني آدم امتِك فتحت عليا باب أوضة نومي وأنا مراتي على ذمتك! امتِك شايفة إننا ما نملكش شبر خصوصية في البيت ده! انت ازاي بارد كده؟ ازاي مستمري في دور إن أنا اللي مچنونة وبكبر الموضوع؟
وقف وعلي صوته هو كمان، ودي كانت أول مرة يعلي صوته عليا بالشكل ده من يوم ما اتجوزنا
صوتك ما يعلاش! وما تجيبش سيرة أمي بالطريقة دي فاهمة؟ أمي ربّت وتعبت، والبيت ده أصلًا بتاعها، وإحنا قاعدين فيه، يعني فكرة إنك تحسسينا إنها دخيلة دي حاجة أنا ما أقبلهاش!
الكلمة دي نزلت على قلبي زي طلقات الړصاص.
البيت ده أصلاً بتاعها..
جملة واحدة هدمت كل الحلم الوردي اللي كنت ببنيه من أول يوم دخلت فيه الشقة دي. انا ماكنتش مرات ابنها المستقلة في بيتها.. أنا كنت مجرد ضيفة قاعدة في بيت حماتها، بياخدوا إذنها في الهوا اللي بتتنفسه، وماليش حق حتى أحافظ على سترتي وخصوصية أوضة نومي!
سكت.. ما ردتش. حسيت إن الكلام خسارة في شخص مش شايف الغلط من أصله. دخلت الحمام وقفلت على نفسي الباب، وقعدت في الارض أعيط بصوت واطي عشان ما يسمعنيش، بس جوه
مني كان في صوت أقوى بكتير بيصوت.. صوت بيقولي إنتي غلطتي، وجيتِ المكان الغلط، مع البني آدم الغلط.
تاني يوم الصبح، صحيت على صوت خبط برضه.. بس مش على باب الأوضة، دي خبطة على باب الشقة من بره، وراها صوت حماتي وهي بتفتح بالمفتاح بتاعها بكل ثقة ودخلت!
سمعتها وهي بتزعق في الصالة
إنتوا لسه نايمين لحد دلوقتي؟ الشمس طلعت! هو ده نظام العروسين الجداد؟ نوم لحد الظهر؟!
بصيت لجنب لقيت جوزي قام بكل هدوء، ولا كأن في إهانة لينا ولا لاقټحام لبيتنا الصبح بدري، وراح قابلها في الصالة وقال بصوت كله احترام مبالغ فيه
صباح الخير يا أمي.. معلش كنا سهرانين متأخر.
بقت تقلب في الحاجات وتفتح التلاجة كأن الشقة بتاعتها بالظبط
أنا جبتلكم معايا فطار.. الطماطم اللي في الثلاجة دي باينة دبلانة، هرميها.. وانت يا أحمد هات لي الژبالة وأنت نازل.
قعدت على السرير وجسمي بيلج من كتر الغيظ وقلة الحيلة. لبست هدومي وطلعت للصالة، لقيتها قاعدة على الكنبة بتشرب شاي، وبصتلي نظرة تقييم من فوق لتحت وقالت
على فكرة يا بنتي، الطريقة اللي بتسرحي بيها شعرك دي مش حلوة، جوزك بيحب الشعر المرفوع.. ابقي اعملي حسابك.
الډم كوي في عروقي. دي مش حمات دي مراقبة أممية! دي واحدة عايزة تحطنا في قوالب هي اللي رسماها، وعايزة تدير حياتنا التحتية والفوقية وكأننا عيال صغيرة في ابتدائي.
بصيت لجوزي أستنجد بيه، لقيته بياكل اللقيمات ومش مهتم، بيبص في طبقه وكأنها ما قالتش حاجة تخصني.
ساعتها أخدت قرار.. قرار حسيت إني لازم أعمله مهما كانت النتائج.
يومها بالليل، لما جوزي نام ودخل في نوم عميق، قمت بالراحة جدًا من جنب السرير.. مسكت كشاف التليفون ونزلت على طرف صوابعي عشان ما أعملش أي صوت. رحت للدرج اللي جوزي كان حاطط فيه مفاتيح البيت الاحتياطي، دورت عليها لحد ما لقيتها..
مسكت مفتاح أوضة النوم الاحتياطي، ومفتاح الباب الرئيسي.. ووقفت قدام باب الأوضة من جوة.
القلب كان بيدق پجنون، والعقل كان بيقولي انتي بتعملي إيه؟ لو حسوا بيكي هتقومي حرب ما تخلصش. بس كرامتي واحساسي بالذل كان أقوى.
جبت ترباس صغير قديم كان موجود في أدوات الصيانة القديمة اللي في المطبخ، ومعاه مسامير صغيرة ومفك. فضلت واقفة بشتغل في طقطقة خفيفة جدًا عشان الصوت ما يطلعش.. بربط الترباس في أسفل باب أوضة النوم من جوة، في مكان بعيد عن عين أي حد يفتح بالمفتاح العادي.
خلصت.. رجعت السرير وأنا بمۏت من التعب والتوتر، بس كنت حاسة بشوية أمان وهمي.. أهو على الأقل لو حاجة حصلت، هتعرف إن الباب مش هيتفتح بالسهولة دي.
تاني يوم، حصل اللي كنت مستنياه وخاېفة منه في نفس الوقت.
جوزي كان في الشغل، وكنت قاعدة بقرأ كتاب في الصالة، وفجأة سمعت صوت مفتاح في الباب الرئيسي بينفتح!
قلبي وقف..
بصيت للساعة، لسه الظهر،
لمحة نيوز
أحمد مستحيل يكون جه دلوقتي. معناه إنها هي.. حماتي.
دخلت بهدوء كعادتها، وقفت في الشقة وندهت عليا
يا داليا.. يا داليا انتي فين؟
فضلت قاعدة مكاني وساكتة، مابردتش.
سمعت خطواتها بتقرب من الصالة.. بعدين راحت على المطبخ، وبعدين سمعت خطواتها بتبعد وناحية طرقة الأوض.
كل خطوة كانت بتقرب منها، وكل صوت كان بيخبط في قلبي.
وقفت قدام باب أوضة النوم..
سمعت صوتها بتحط المفتاح في كالون أوضة النوم.
لفت المفتاح..
تك.. تك..
المفتاح دار في الكالون بكل سهولة.. بس الباب ما اتفتحش!
سكتت بره ثواني، كأنها مش مصدقين.
رجعت لفت المفتاح تاني.. أكتر من مرة وبقوة
تك.. تك.. تك..
الباب مكتوم تمامًا، ومربوط بالترباس اللي ركبته بالليل بعناية.
سمعت صوت نفسها العالي بره.. والصمت الطويل اللي بعدها كان بيقطع النفس. وبعدين سمعتها بتخبط على الباب بقوة چنونية وبصوت مسعور مبحوح
دالياااا! إنتي جوه؟ فتحي الباب حالا! في ايه جوه مقفول كده؟! فتحي بقولك!!
قمت من مكاني، ومشيت بخطوات ثابتة ناحية الباب.. حسيت إن روحي رجعتلي لأول مرة من يوم ما دخلت الشقة دي.
مديت إيدي على الباب، وفتحت الترباس بهدوء تام..
فتحت الباب نص فتحة، وطلعت بصيت لها في عيونها مباشرة، ولقيتها واقفة وشها أصفر، وعينيها بتطق شرار، ومفتاح الأوضة لسه في إيدها المرتعشة.
قالت بصوت بيترعش من الغيظ والجنون
إنتي.. إنتي قافلة الباب في وشي؟! بتعملي جوه إيه عشان تقفلي الباب وراكي بالمنظر ده؟!
ابتسمت ابتسامة هادية جدا، وقولت بصوت واثق ومسموع كويس
أصلنا بنغير هدومنا يا ماما.. والبيت ده بقى بيته لنا، وأوضة النوم دي خصوصية تخصنا إحنا الاتنين لوحدنا.. مش كده ولا إيه؟
وقفت متنحة ومش قادرة تنطق حرف واحد، كأنها بتشوف قدامها شيطان مش عروسة جديدة، وساعتها بس عرفت إن الحړب الحقيقية لسه بادئة حالا.. وإني مش هتنازل عن سنتيمتر واحد من كرامتي تاني ابدًا قبل ما تفتكروا إن أصعب حاجة في الجواز هي الخناقات أو ضيق الفلوس… أحب أقولكم إن في لحظات بتكسر جواك حاجة عمرها ما بترجع زي الأول.
أنا لسه متجوزة جديد، ولسه بحاول أتعود على البيت الجديد وعلى الحياة اللي كنت فاكرة إنها هتبقى مليانة خصوصية وراحة. كنت أنا وجوزي في أوضة النوم، مع بعض، وفجأة سمعنا خبط شديد على الباب.
جوزي بصلي وقال بهدوء سيبيها دقيقة.
الخبط زاد.
فضل ساكت، وما فتحش.
بعدها الخبط وقف… افتكرنا إنها مشيت.
لكن اللي حصل بعدها خلاني أحس إن الأرض انسحبت من تحت رجلي.
فجأة… باب الأوضة اتفتح.
وقفت مكاني متجمدة.
حماتي كانت واقفة قدامنا.
أنا ماكنتش أعرف أصلًا إن معاها مفتاح لأوضة نومنا.
بصتلنا وقالت بمنتهى البرود إنتوا مش بتفتحوا علشان اللي بتعملوه ده؟ افرضوا كنت تعبانة وعايزاكم؟
وبدون ما تستنى أي رد… لفت ونزلت شقتها.
أما أنا…
كنت حاسة إني اتعرّيت قدام الدنيا كلها.
فضلت أبص لجوزي وأنا مستنية أي رد… أي ڠضب… أي كلمة تدافع عن اللي حصل.
لكنه اكتفى إنه قال معلش… متزعليش.
بس.
معلش؟
الكلمة دي كانت أصعب عليا من دخولها نفسه.
أنا قعدت أعيط وقتها، وهو حاول يهديني ويقولي إن أمه طبعها كده، وإنها مش قصدها حاجة.
لكن أنا كنت حاسة إن في حاجة غلط.
غلط كبير.
مش فكرة إنها خبطت…
ولا حتى إنها كانت محتاجة حاجة.
الغلط إنها شايفة إن من حقها تفتح باب أوضة نوم ابنها في أي وقت.
ومن ساعتها، بقيت كل ليلة وأنا داخلة أوضتي أبص على الباب عشر مرات.
أتأكد إنه مقفول.
وبعدين أفتكر…
إن القفل نفسه ملوش أي قيمة طالما في حد معاه المفتاح.
بدأت ألاحظ حاجات ماكنتش واخدة بالي منها.
كل مرة أنزل المطبخ، ألاقي حماتي عارفة إحنا صحينا إمتى، ونمنا إمتى، وحتى عرفِت مرة إننا خرجنا بالليل رغم إنها ما شافتناش.
في الأول قلت يمكن صدفة.
لكن الصدف لما بتتكرر… بتبطل تبقى صدف.
في يوم سألت جوزي بهدوء هو… مامتك معاها مفاتيح البيت كلها؟
اتردد ثانية، وبعدين قال آه… من زمان.
سألته حتى أوضة النوم؟
نزل بعينه في الأرض، وقال المفتاح كان موجود مع كل المفاتيح… عمرنا ما فكرنا ناخده منها.
الكلمة دي خوفتني.
عمرنا.
يعني بالنسبة له، الموضوع عادي.
بدأت أحس إني ضيفة في بيتي، وإن أي لحظة ممكن الباب يتفتح من غير استئذان.
بقيت أسمع أي صوت في الطرقة، قلبي يدق.
وبقيت أخاف أبدل هدومي إلا بعد ما أتأكد إن الباب متقفل… وأرجع أفتكر إن القفل نفسه ممكن يتفتح في ثانية.
لكن اللي خلاني أتأكد إن الموضوع أكبر بكتير من مجرد قلة خصوصية… حصل بعد أسبوع.
كنت خارجة من الأوضة بالصدفة، ولقيت حماتي واقفة قدام بابنا… ماسكة سلسلة مفاتيح كبيرة في إيدها.
أول ما شافتني، خبّت المفاتيح بسرعة وابتسمت ابتسامة غريبة.
وقالت جملة واحدة…
جملة خلت الډم يتجمد في عروقي، لأن ساعتها عرفت إن دخولها علينا يومها… ماكنش صدفة أصلًا.
الفصل الثاني سلسلة المفاتيح
الډم نشف في
عروقي، وحسيت إن الحيطان اللي حواليا بتميل وتقفل عليا. الابتسامة الغريبة اللي رسمتها على وشها وهي بتخبي المفاتيح ورا ضهرها كانت أغرب بكتير من أي كلام ممكن تقوله.
قربت مني بخطوات هادية، كأنها مش عاملة مصېبة، وبصتلي من فوق لتحت وقالت بصوت واطي ومليان سم متغلف بالدلع المصطنع
إيه يا عروسة؟ واقفة كده ليه؟ كنتِ بتبصي على إيه؟ اصل أصلًا الكالون بتاع الباب ده قديم، وكنت جايبة السباك يشوفه عشان أطمن عليكم.. اصل أنتم شباب وبتنسوا تقفلوا كويس بالليل، وأنا بخاف عليكم.
خلصت الجملة، وسابتني واقفة مكاني زي المضړوبة على دماغي.
السباك؟ كالون قديم؟ وهي من امتى أصلًا بتهتم إذا كنا بنقفل ولا لأ؟ الكلام كان متفصل وجاهز، بس الحقيقة كانت أبشع بكتير من إنها تتداري بكلمتين. هي ما كانتش بتصلح الكالون.. هي كانت بتعمل جولة تفقدية، وربنا وحده عالم هي دخلت أوضتنا كام مرة وأنا مش موجودة، أو فتحت درابين ايه، أو صوّرت ايه بعينها عشان تيجي بعد كده تحاسبنا على الصغيرة والكبيرة.
طلعت تجري على جوزي.. دخلت الأوضة ولقيته قاعد على السرير بيلعب في تليفونه، كأن اللي بره دي جارة معدية مش أمه اللي بټقتحم حياتنا بالماستركي.
قلت بصوت متهدج ودموعي على أطراف عيني
امتك.. امتِك كانت بره دلوقتِ حالا، وماسكة المفاتيح كلها في إيدها، وبتبرر بتقول ايه؟ بتقول بتصلح الكالون!
بص لي بملل، ونزل تليفونه ببطء وقال
يا حبيبتي ما احنا اتكلمنا في الموضوع ده امبارح.. مامي طيبة وعايزة تطمن، انتي ليه مصممة تكبري الحكاية وتعملي من الحبة قبة؟
أكبر الحكاية؟! صړخت بصوت شبه مكتوم من كتر القهر. يا بني آدم امتِك فتحت عليا باب أوضة نومي وأنا مراتي على ذمتك! امتِك شايفة إننا ما نملكش شبر خصوصية في البيت ده! انت ازاي بارد كده؟ ازاي مستمري في دور إن أنا اللي مچنونة وبكبر الموضوع؟
وقف وعلي صوته هو كمان، ودي كانت أول مرة يعلي صوته عليا بالشكل ده من يوم ما اتجوزنا
صوتك ما يعلاش! وما تجيبش سيرة أمي بالطريقة دي فاهمة؟ أمي ربّت وتعبت، والبيت ده أصلًا بتاعها، وإحنا قاعدين فيه، يعني فكرة إنك تحسسينا إنها دخيلة دي حاجة أنا ما أقبلهاش!
الكلمة دي نزلت على قلبي زي طلقات الړصاص.
البيت ده أصلاً بتاعها..
جملة واحدة هدمت كل الحلم الوردي اللي كنت ببنيه من أول يوم دخلت فيه الشقة دي. انا ماكنتش مرات ابنها المستقلة في بيتها.. أنا كنت مجرد ضيفة قاعدة في بيت حماتها، بياخدوا إذنها في الهوا اللي بتتنفسه، وماليش حق حتى أحافظ على سترتي وخصوصية أوضة نومي!
سكت.. ما ردتش. حسيت إن الكلام خسارة في شخص مش شايف الغلط من أصله. دخلت الحمام وقفلت على نفسي الباب، وقعدت في الارض أعيط بصوت واطي عشان ما يسمعنيش، بس جوه
مني كان في صوت أقوى بكتير بيصوت.. صوت بيقولي إنتي غلطتي، وجيتِ المكان الغلط، مع البني آدم الغلط.
تاني يوم الصبح، صحيت على صوت خبط برضه.. بس مش على باب الأوضة، دي خبطة على باب الشقة من بره، وراها صوت حماتي وهي بتفتح بالمفتاح بتاعها بكل ثقة ودخلت!
سمعتها وهي بتزعق في الصالة
إنتوا لسه نايمين لحد دلوقتي؟ الشمس طلعت! هو ده نظام العروسين الجداد؟ نوم لحد الظهر؟!
بصيت لجنب لقيت جوزي قام بكل هدوء، ولا كأن في إهانة لينا ولا لاقټحام لبيتنا الصبح بدري، وراح قابلها في الصالة وقال بصوت كله احترام مبالغ فيه
صباح الخير يا أمي.. معلش كنا سهرانين متأخر.
بقت تقلب في الحاجات وتفتح التلاجة كأن الشقة بتاعتها بالظبط
أنا جبتلكم معايا فطار.. الطماطم اللي في الثلاجة دي باينة دبلانة، هرميها.. وانت يا أحمد هات لي الژبالة وأنت نازل.
قعدت على السرير وجسمي بيلج من كتر الغيظ وقلة الحيلة. لبست هدومي وطلعت للصالة، لقيتها قاعدة على الكنبة بتشرب شاي، وبصتلي نظرة تقييم
من فوق لتحت وقالت
على فكرة يا بنتي، الطريقة اللي بتسرحي بيها شعرك دي مش حلوة، جوزك بيحب الشعر المرفوع.. ابقي اعملي حسابك.
الډم كوي في عروقي. دي مش حمات دي مراقبة أممية! دي واحدة عايزة تحطنا في قوالب هي اللي رسماها، وعايزة تدير حياتنا التحتية والفوقية وكأننا عيال صغيرة في ابتدائي.
بصيت لجوزي أستنجد بيه، لقيته بياكل اللقيمات ومش مهتم، بيبص في طبقه وكأنها ما قالتش حاجة تخصني.
ساعتها أخدت قرار.. قرار حسيت إني لازم أعمله مهما كانت النتائج.
يومها بالليل، لما جوزي نام ودخل في نوم عميق، قمت بالراحة جدًا من جنب السرير.. مسكت كشاف التليفون ونزلت على طرف صوابعي عشان ما أعملش أي صوت. رحت للدرج اللي جوزي كان حاطط فيه مفاتيح البيت الاحتياطي، دورت عليها لحد ما لقيتها..
مسكت مفتاح أوضة النوم الاحتياطي، ومفتاح الباب الرئيسي.. ووقفت قدام باب الأوضة من جوة.
القلب كان بيدق پجنون، والعقل كان بيقولي انتي بتعملي إيه؟ لو حسوا بيكي هتقومي حرب ما تخلصش. بس كرامتي واحساسي بالذل كان أقوى.
جبت ترباس صغير قديم كان موجود في أدوات الصيانة القديمة اللي في المطبخ، ومعاه مسامير صغيرة ومفك. فضلت واقفة بشتغل في طقطقة خفيفة جدًا عشان الصوت ما يطلعش.. بربط الترباس في أسفل باب أوضة النوم من جوة، في مكان بعيد عن عين أي حد يفتح بالمفتاح العادي.
خلصت.. رجعت السرير وأنا بمۏت من التعب والتوتر، بس كنت حاسة بشوية أمان وهمي.. أهو على الأقل لو حاجة حصلت، هتعرف إن الباب مش هيتفتح بالسهولة دي.
تاني يوم، حصل اللي كنت مستنياه وخاېفة منه في نفس الوقت.
جوزي كان في الشغل، وكنت قاعدة بقرأ كتاب في الصالة، وفجأة سمعت صوت مفتاح في الباب الرئيسي بينفتح!
قلبي وقف..
بصيت للساعة، لسه الظهر، أحمد مستحيل يكون جه دلوقتي. معناه إنها هي.. حماتي.
دخلت بهدوء كعادتها، وقفت في الشقة وندهت عليا
يا داليا.. يا داليا انتي فين؟
فضلت قاعدة مكاني وساكتة، مابردتش.
سمعت خطواتها بتقرب من الصالة.. بعدين راحت على المطبخ، وبعدين سمعت خطواتها بتبعد وناحية طرقة الأوض.
كل خطوة كانت بتقرب منها، وكل صوت كان بيخبط في قلبي.
وقفت قدام باب أوضة النوم..
سمعت صوتها بتحط المفتاح في كالون أوضة النوم.
لفت المفتاح..
تك.. تك..
المفتاح دار في الكالون بكل سهولة.. بس الباب ما اتفتحش!
سكتت بره ثواني، كأنها مش مصدقين.
رجعت لفت المفتاح تاني.. أكتر من مرة وبقوة
تك.. تك.. تك..
الباب مكتوم تمامًا، ومربوط بالترباس اللي ركبته بالليل بعناية.
سمعت صوت نفسها العالي بره.. والصمت الطويل اللي بعدها كان بيقطع النفس. وبعدين سمعتها بتخبط على الباب بقوة چنونية وبصوت مسعور مبحوح
دالياااا! إنتي جوه؟ فتحي الباب حالا! في ايه جوه مقفول كده؟! فتحي بقولك!!
قمت من مكاني، ومشيت بخطوات ثابتة ناحية الباب.. حسيت إن روحي رجعتلي لأول مرة من يوم ما دخلت الشقة دي.
مديت إيدي على الباب، وفتحت الترباس بهدوء تام..
فتحت الباب نص فتحة، وطلعت بصيت لها في عيونها مباشرة، ولقيتها واقفة وشها أصفر، وعينيها بتطق شرار، ومفتاح الأوضة لسه في إيدها المرتعشة.
قالت بصوت بيترعش من الغيظ والجنون
إنتي.. إنتي قافلة الباب في وشي؟! بتعملي جوه إيه عشان تقفلي الباب وراكي بالمنظر ده؟!
ابتسمت ابتسامة هادية جدا، وقولت بصوت واثق ومسموع كويس
أصلنا بنغير هدومنا يا ماما.. والبيت ده بقى بيته لنا، وأوضة النوم دي خصوصية تخصنا إحنا الاتنين لوحدنا.. مش كده ولا إيه؟
وقفت متنحة ومش قادرة تنطق حرف واحد، كأنها بتشوف قدامها شيطان مش عروسة جديدة، وساعتها بس عرفت إن الحړب الحقيقية لسه بادئة حالا.. وإني مش هتنازل عن سنتيمتر واحد من كرامتي تاني ابدًا.
الفصل الثالث خط الطوارئ
البيت كان مكتوم، والجو فيه مقطوع من الهوا. فضلت واقفة قدامها وعيني في عينها، مش نازلة ولا مترددة، لحد ما نزلت نظرتها هي ببطء وابتلعت ريقها بصعوبة بالغة. الكلمة اللي قولتها نزلت على دماغها زي الصاعقة، لأنها عمرها ما توقعت إن عروسة جديدة لسه داخلة البيت من شهرين ممكن تقف قدامها الوقفات دي وتواجهها بعين مفتوحة.
لمت نفسها بسرعة وحبت تغطي على الموقف المكسور اللي حطت نفسها فيه، فرجعت لورا خطوتين ورفعت حواجبها بطريقتها المستفزة وقالت بصوت مسموع
أغير هدومي؟ ماشي يا داليا.. ماشي يا حبيبتي. بسابق الزمن وبطمن على ولدي وبيته، تقوم البنت تقفل الباب في وش حماتها كأنها حرامية؟ طيب يا أحمد يجي بس بالسلامة، ويبقى يحكي لي هو كمان إيه نظام الأبواب المقفولة دي في أول جوازكم!
سبتني ودخلت في نوبة تمثيل خايبة، وراحت نازلة شقتها وهي بتخبط رجليها في السلم بصوت عالي عشان تسمع البيت كله إنها زعلانة ومظلومة.
قفلنا باب الشقة كويس، ودخلت جوه وأنا حاسه بنشوة الانتصار المؤقت، بس من جوايا كنت عارفة إن اللي عملته ده معناه إعلان حرب رسمي لا تقبل الهوان. حماتي مش هسكت، والوضع اللي بيننا اتحول من مجرد تطفل صامت لمعركة كسر عضم علنية.
بعدها بساعتين جه أحمد من الشغل. دخل الشقة ووشه مقلوب ومكشر، وواضح جدا إن أمه كانت نزلت له الشغل أو كلمته في التليفون وسمّمته بكل كلمة حصلت. رماه المفاتيح على الترابيزة ودخل الصالة وقال بصوت حاد
إيه اللي عملتيه مع أمي الصبح ده يا داليا؟!
بصيت له وأنا قاعدة على الكرسي بكل هدوء وقلت له
عملت إيه يعني يا أحمد؟ هو فتح باب أوضة النوم وأنا جوه بقى اسمُه عيب، وقفله بقى چريمة؟
چريمة أه! قالها وهو بيقرب مني وبيعلي صوته أكتر. أمي راضية تدخل، راضية تطمئن، البيت ده بيتها، وانتي بدل ما تقابليها بالكلمة الطيبة وتقولي كتر خيرك يا طنط تعباني نفسك، تقفلي في وشها الباب بالترباس وتكلميها بالطريقة الناشفة دي؟ هي راجعة عمالة ټعيط وتقولي مرات ابنك طردتني من على الباب!
الډم طار في دماغي من الكدبة السافرة.. طردتها؟ هي اللي كانت بتفتح الأوضة عليا بالمفتاح وتقولي طردتها؟!
ټعيط؟! قمت وقفت قدامه ومش مصدقة اللي بيقوله. هي اللي جات عيطت ولا انت اللي مش راضي تشوف الحقيقة؟ انت عارف هي كانت بتعمل ايه؟ كانت فاتحة باب أوضة نومنا بالمفتاح وعايزة تدخل عليا وأنا قاعدة وحدي! انت مراتي ولا خدامة عند أمك؟ انت متجوزني عشان أعيش في أمان ولا عشان أي حد يدخل عليا في أي وقت؟
حط إيده في إيده وقال ببرود غريب وقسۏة قطعت قلبي
يا ستي خلاص، هي مامي متعودة تفتح الأجهزة والبيبّان، مفيش بيننا أسرار، وانتي اللي بتدوري على النكد
والمشاكل من غير سبب. واقسم بالله لو سمعت إنك قفلتِ الباب ده تاني بالترباس أو كلمتيها بأسلوب مش عاجبني، ليكون ليا كلام تاني معاكي، فاهمة ولا لأ؟
الكلمة دي كانت هي القاضية. يكون ليا كلام تاني معاكي.. يعني الټهديد بدأ، والزوج اللي مفروض يكون سندي وحمايتي هو اول واحد بيبيعني عشان يرضي أمه.
سكت.. ما ردتش بحرف واحد. بصيت له نظرة طويلة حسيت فيها بكل الخيبة اللي ممكن إنسان يحسها في حياته، ودخلت الأوضة. ماكلمتوش طول الليل، وهو كمان نام على الكنبة بره كنوع من العقاپ ليا. بس بالنسبة لي، قعدته بره كانت راحة مفيش بعدها راحة.
تاني يوم الصبح، أحمد نزل بدري لشغله من غير ما حتى يبص في وشي. وأنا فضلت قاعدة في الشقة لوحدي، البيت كان هادئ بطريقة توتر، وكأن الهدوء ده ما هو إلا العاصفة اللي قبل ما الهوا يقلب.
الساعة بقت اتناشر الظهر، وفجأة سمعت صوت مفتاح الباب الرئيسي بيدور!
قلبي نط في حلقي.. هي جات تاني؟ معقول بالسرعة دي قدرت ترجع وتتحداني بعد اللي حصل امبارح؟
جريت على الباب من جوه وبصيت من العين السحرية.. لقيتها هي فعلاً، بس المرة دي مش لوحدها! معاها واحدة ست تانية شكلها غريب عن العمارة، ولابسة عباية ملونة وشنطة كبيرة، وكان واضح من طريقة وقفتهم إنهم جايين يعملوا تفتيش شامل مش مجرد زيارة!
دخلت وسمعت صوتها وهي بتقول للست اللي معاها بصوت عالي عشان تسمعني
تعالي تعالي يا أم محمد.. ادخلي يا حبيبتي الشقة شقتك، أصل العروسة الجديدة نايمة في العسل ومكسلة تروق، قلت أجيبك تنضفي معانا وتظبطي الصالة اللي اتبهدلت.
تنضف معانا؟! دي شقتي أنا، وهي جايبة جارة أو قريبة ليها عشان تدخل تفتش الأوض وتدخل كل زاوية بحجة التنظيف!
فتحت باب الأوضة وطلعت لهم وشي ثابت وبارد تماماً، وقالت بصوت هادئ ومسموع
أهلاً يا طنط.. نورتي. بس غريبة يعني إنك جايبة حد ينضف الشقة من غير ما تأخذي رأيي؟ وبعدين أنا لسه منضفة الشقة امبارح بالليل وكل حاجة
زي الفل، مش محتاجين مساعدة من حد.
حماتي بصتلي پغضب وهي بتجز على سنانها، وقالت بصوت مسمۏم
إنتي لسه لسانك طويل يا داليا؟ دي أم محمد جارتنا وبتساعدنا في الخير، وانتي مالك زعلانة ليه؟ هو إحنا جايين نعمل عيب ولا جايين نخدمكم؟
الست اللي اسمها أم محمد بصتلي بنظرات كلها فضول وتقليل، وقالت
الله يهديها يا أم أحمد.. العروسة بتبقى لسه مكسوفة ومش فاهمة الأصول، سيبك منها وتعالي نوريني في المطبخ نفتح كده الدولاب ونشوف محتاج إيه.
هنا حسيت إن الصبر خلص، وإن لو سكتت النهاردة، مش هعرف أعيش في البيت ده بكرة.
مشيت خطوتين لحد ما بقيت في وش أم محمد وقالت لها بصوت حاد وقاطع
يا أم محمد.. الشقة دي مش بيت عزاب عشان
أي حد يدخل يفتح دواليبها براحته، ودي مراتي وديتي، ولو سمحتي اتفضلي اطلعي بره لحد ما جوزي يرجع، ومفيش دخول لا للمطبخ ولا لغيره!
أم محمد فتحت بقها من الصدمة، وبصت لحماتي اللي وشها اتقلب للون الأزرق من كتر الغيظ والجنون، وقالت بصوت مبحوح وبتصرخ في وشي
إنتي بتطردي ضيوفي من بيتي يا قليلة الأدب؟! بتعلي صوتك على جارتي وأنا واقفة؟ طب والله لكون مطلعة التليفون دلوقتي وخابرة أحمد ييجي يشوف مراته قليلة الأصل عملت إيه!
طلعت تليفونها بسرعة وبدأت ترن عليه، وأنا واقفة مكاني ولا اهتزيت ولا خفت.. بالعكس، كنت حاسة إن أخيرًا الستارة سقطت ومبقاش فيه أي داعي للمجاملة الكدابة.
بعد دقايق، سمعت صوت باب الشقة بينفتح بقوة، ودخل أحمد عيونه حمراء ووشه مليان ڠضب أعمى، وبص ليا بصات تخلّي أي قلب يرتعش، وقال بصوت عالي رتج الشقة كلها
إنتي عملتي إيه تاني يا داليا؟!
الفصل الأخير نقطة لا رجعة فيها
دخل أحمد الشقة وعيونه مليانة شړ، كأنه جاي يخلص على عدو مش على مراته. لسه هيتكلم، لقت حماتي مسكت فيه وبدأت تمثل الدور ببراعة شديدة، وتنزل دمعتين كدابين على خدها وقالت بصوت مكسور ومبحوح
شايف يا ابني مراتك عملت إ جاية تطرد جارتنا أم محمد من البيت وتقولي بره.. دي مش محسسانا إننا أهل في البيت ده، دي عايزة تسرقك منا وتطردني أنا شخصياً من شقتي!
أم محمد دخلت في الموضوع هي كمان عشان تولعها أكتر، وقالت بتمسكن مصطنع
حقك على راسي يا أم أحمد.. العروسة الجديدة شكلها لسه متعلمتش الأصول ولا احترام الكبار، ربنا يكون في عونك يا ابني على اللي بتشوفه.
بصيت لهم الاتنين ببرود تام، وضحكت ضحكة قصيرة من كتر القهر والمهزلة اللي أنا فيها، وبعدين بصيت لأحمد وقلت بصوت هادئ وثابت
خلصتوا تمثيل؟ طب اسمعني بقى يا أحمد يا ابن أمك.. لأن دي آخر مرة هتسمعني فيها في البيت ده. أمك جابت الست دي ودخلت بيها من غير ما تستأذن، وفاتحة الشقة كأنها لوكاندة، وكل شوية ټقتحم خصوصيتنا. أنا استحملت كتير، بس للژبالة حدود، وللأعصاب طاقة!
أحمد جن جنونه، ورفع إيده في الهوا وقال بصوت رتج جدران الشقة كلها
آخرة قلة أدبك دي هي الطرد! انتي فاكرة نفسك قاعدة فين؟ بيت أهلك؟ البيت ده بتاعي، ولو مش عاجبك الوضع، اقلعي دبلتك وروحي على بيت أبوكي، لأن الاشكال اللي زيك ما ينفعش تقعد معايا دقيقة واحدة!
الكلمة نزلت على وداني، بس المرة دي مش كصاعقة.. بالعكس، حسيت إنها طوق نجاة. الجملة اللي كنت بخاف منها طول الشهور اللي فاتت، اتقالت بكل سهولة، وساعتها حسيت إن السلسلة اللي كانت مكتفة رقبتي اتقطعت.
بصيت له بعين ناشفة ومفيهاش دمعة واحدة، وقلت بصوت واثق
تصدق؟ ريحتني.. ريحتني جداً يا أحمد. كنت باينة على
عيني أستحمل وأعدي عشان أقول بيت وعمارة وجواز، بس طلع مكان لا فيه أمان ولا كرامة. ومتقلقش.. مش هستنى لما تقولها تاني، انا مسافرة دلوقتي حالاً.
دخلت الأوضة بسرعة، فتحت الدولاب وطلعت شنطة السفر الكبيرة. رميت فيها هدومي بسرعة البرق، ومسكت دهبي وكل متعلقاتي الشخصية وحطيتها في الشنطة. حماتي كانت واقفة على باب الأوضة هي وأم محمد متابعين الموقف پشماتة وسعادة ظاهرة على وشوشهم، وكأنهم كسبوا معركة تاريخية.
أم أحمد قالت بسخرية مسمۏمة
أهي ماشية برجلها.. أحسن، عشان تعرفي إن الله حق، وإن الشقة دي ليها سيدات تانية غيرك.
ما ردتش عليها بحرف واحد. قفلت الشنطة، وطلعت للصالة، ووقفت قدام أحمد اللي كان واقف مكتوف الأيدي وبيبصلي بغرور، وطلعت دبلته من إيدي ورميتها على الترابيزة قدامه وقلت
خد دبلتك.. ومبروك عليك أمك وشقتك. اشبعوا ببعض.
سيبتهم ونزلت.. نزلت سلم العمارة وأنا حاسه إن وزني قل عشرين كيلو. الهواء الشارع خبط في وشي، حسيت بطعم الحرية لأول مرة من يوم ما دخلت القفص ده. طلعت تليفوني، وكلمت أخويا الكبير بصوت ثابت
تعال خدني يا محمد.. أنا راجعة بيت بابا نهائي.
أخويا جه بعد نص ساعة، وعيونه كانت مليانة ڠضب وقهر لما شافني بالشنطة. فهم الحكاية من نظرة عيني، وما سألش كتير، بس خدني في عربيته وطلعنا على بيت أهلي.
أول ما دخلت بيت أبويا، ولقيت أبويا وأمي حضنوني وخففوا عني، حسيت إني رجعت روحي تاني. قعدت حكيت لهم على كل حاجة.. على الاقتحامات، على المفتاح اللي مع حماتي، على الباب اللي كانت تفتحه، وعلى خضوع جوزها الأعمى لأمه. أبويا طبطب على كتفي وقال كلمة واحدة فضلت علقة في وداني
حقك ما يضيعش يا بنتي، واللي ما يعرفش قدرك في بيته، ما يستاهلش دقيقة واحدة من عمرك.
مرت أسبوعين بحالهم.. أسبوعين من الهدوء والاستقرار النفسي اللي ما حسيتش بيه طول فترة جوازي. في الأسبوعين دول، أحمد ما كلفش نفسه حتى يرفع سماعة التليفون يطمن عليا، ولا كأن كنت مراته في يوم من الأيأم. كان فاكر إني راجعة أتعلم الأدب عند أهلي وهجري أرجع له أول ما يصعب عليا حالي، لكنه كان غلطان.
في اليوم الخداشر، جالنا إنذار طاعة من المحكمة!
أبويا ضحك بسخرية أول ما شاف الورقة، وقال
ابن أمك طلع بيفكر بدماغها، فاكر إنه هيقدر يذلك بالطريقة البلدي دي.
بس اللي ما كانش أحمد ولا أمه عاملين له أي حساب.. إن قانون ربنا وقانون الدنيا أطهر بكتير من حيلهم الرخيصة. أخويا نزل معايا، ورحنا لمحامي شاطر، ورفعنا قضية خلع وطلبنا حقوقي كاملة، والأهم من كده.. إني قدمت تقارير وإثباتات وشهادة من جيران تانيين في العمارة عن التعدي السافر واقټحام الخصوصية الدائم لبيتي من قبل حماتها اللي كانت ماسكة المفتاح كأنه سلاح بتدير بيه حياتنا.
يوم جلسة المحكمة،
قابلت أحمد بره قاعة المحاكمة. كان شكله مبهدل، وواضح إن أمه مش مسيباه في حاله حتى في غيابي، وعيونه كانت دبلانة. أول ما شافني، قرب مني وقال بصوت منكسر شوية
ليه يا داليا وصلتي الموضوع للمحاكم والمشاكل؟ ما كنا قعدنا واتكلمنا في البيت بهدوء، ومامي مستعدة تعتذر لك وتقفل صفحة المفتاح دي.
بصيت له نظرة شفقة، وضحكت بصوت عالي وقلت له
مامي تعتذر؟ وتقفل صفحة المفتاح؟ بعد إيه يا أحمد؟ بعد ما حړقت قلبي وكسرتني في أول يوم جواز؟ افتكرت إنك راجل تفتح بيت وتحميه، بس للأسف طلعت ابن أمه اللي ما لوش أي كلمة في بيته. خسارة فيك كل دمعة نزلت عشاتك.
قربت من القاضي، ووقفت قدامه بكل ثقة، وكررت طلبي بالخلع والطلاق النهائي، ورفضت أي محاولات صلح قدموها.
بعد جلسات قليلة، صدر الحكم لصالحي.. اتخلعته، ورجعت حرة، ورجعت لي كرامتي اللي كانت هتروح في داهية لو كنت فضلت دقيقة واحدة زيادة في الشقة دي.
دلوقتي أنا قاعدة في بيتنا القديم، وسط أهلي اللي بيحبوني وبيخافوا عليا. رجعت لشغلي ولحياتي، وحسيت إن التجربة دي، مهما كانت قاسېة، كانت القلم اللي صحاني على حاجة مهمة جداً
في الجواز.. لو ما لقيتش راجل يتقي ربنا فيكِ ويحفظ سرك ويصون بيتك وخصوصيتك، يبقى بلاها جواز من أصله.. لأن البيت اللي ملوش باب يحميه من براثن التطفل، ما يستاهلش أصلاً إن الواحد يدخله.