لابتوب حكايات رومانى مكرم 3

نظر حسن إليّ برعب مشوب بالذهول، تتنازعه الأفكار والظنون. كانت حمالات عينيه تتسع مع كل ثانية صمت تمر بيننا، ينظر إلى ورقة الترقية والمكافأة في يدي وكأنها حبل المشنقة الذي سيلتف حول أحلامه القديمة في السيطرة. تراجع خطوة إلى الخلف، مسح العرق الذي يتصبب من جبينه رغم برودة الجو، وقال بصوت متلعثم يكسوه الوجل:

“قصَدك إيه بالسطر الأخير؟ انتِ ناوية تعملي إيه بالفلوس دي يا بنت الناس؟ مش كفاية اللي عملتيه فيا والأوراق اللي وقعتيني عليها؟”

لم أرد عليه فوراً. تركه في حيرته يعصر ذهنه، مشيت بخطوات ثقيلة ومستقيمة نحو أريكة الصالة، جلست عليها بكل وقار وثقة، وحضنت ياسين الذي كان ينظر إلينا بعينين بيضاء صافية لا تفهم صراعات الكبار، لكنها تستشعر أمان أمه وحزمها.

أشرت لحسن بيدي ليجلس في الجهة المقابلة. كان متردداً، يخشى أن يقترب، يخشى الصدمة القادمة، لكنه أذعن في النهاية وجلس على أطراف الكرسي كالمتهم ينتظر النطق بالحكم.

بدأت الحديث بصوت هادئ، نبرة خالية تماماً من الانفعال أو الغضب، نبرة المرأة التي تجاوزت مرحلة العتاب والانتقام ووصلت إلى مرحلة القرارات الحاسمة التي لا رجعة فيها:

“شوف يا حسن.. من النهار ده، الحكايات القديمة كلها اتقفلت. أنا طول الفترة اللي فاتت، من يوم ما خرجت من بيتك ورحت بيت أهلي، لحد ما رجعت بالتعهدات والعقود، كنت بختبر حاجة واحدة بس: هل أنت بني آدم اتعلم الدرس وعاف حقه وطمع غيره؟ ولا أنت مجرد شخص مسكون بالطمع، والمشاكل والقضايا هي بس اللي لجمتك وعملتلك فرامل مؤقتة؟”

سكت لثوانٍ أراقب ملامحه، ثم تابعت وأنا أشير برأسي نحو خطاط الترقية:

“ورقة المكافأة والترقية دي كانت الاختبار الأخير.. وأنت سقطت فيه في أول دقيقة! مجرد ما شفت القرشين الزيادة، نسيت كل اللي حصل، ونسيت خجلتك قدام أبوي وأبوك، ورجعت عينك تتطاول على عقي وتدبي تدور على ثغرة تدخل منها لجيبك! أنت مابتتغيرش يا حسن.. أنت بس كنت خايف من المحاكم والديون!”

انسابت الدموع من عينيه فجأة، دموع الخوف والقلة، وقال بصوت مبحوح يحاول الدعم والاستعطاف:

“والله ما كان قصدي يا أم ياسين! أنا بس بكرر كلام عادي عن مستقبل ابننا! أنتِ ليه بتحسبيلي الكلمة بكسرة نفس؟ أنا اتعلمت الدرس والله، وشايل مصاريف البيت كلها من أول المليم للقرش، وعمري ما تقاعست عن حفاضة ولا لبن لياسين من يوم ما رجعنا!”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *