عزا أمى امانى السيد

بنتها هزت رأسها بالموافق وقالت: “عندك حق يا ماما، أصل الستات اليومين دول بيحبوا يعملوا من الحبة قبة عشان يهربوا من طلبات البيت.”

الكلام شل حركتي تماماً. “الحزن في القلب”؟! الكلمة دي اتقالت بكل برود وكأن أمي اللي ماتت دي مجرد دور برد وهيروح! هما مش بس معندهمش رحمة، دول مرتبين ومخططين يكسروني من أول يوم، ومستخسرين فيا حتى دمعتي وحزني على أمي اللي فارقتني.

أخدت خطوة واسعة وطلعت الصالة، وعيني بتدور على جوزي اللي سابني في قهرتي عشان أخدم أهله. بس المشهد اللي شفته خلاني أتسمر في مكاني، والصدمة لجمت لساني تماماً.

جوزي كان قاعد في الركن التاني من الصالة، مندمج في الكلام مع بنت خالته اللي كانت قاعدة جنبه. وشهم في وش بعض، وشكلهم في قمة الانسجام والراحة، والابتسامة مش مفارقة وشوشهم، لدرجة إنها ضحكت بصوت مكتوم وهو مال عليها بابتسامة واسعة وكأنهم في سهرة ترفيهية، مش في بيت جنازة وأم مراته لسه مدفونة!

بنت خالته كانت بتتكلم بدلع وهي بتعدل طرحتها، وهو عينه في عينها، بيسمع لها باهتمام وشغف عمري ما شفته منه وأنا بشتكي له من تعبي أو وجعي. الضحكة والانسجام اللي على وشوشهم كانوا زي طعنة وفوقيها مية نار بتنزل على جرحي.

وقفت في النص.. حماتي وبنتها من ناحية بيتكلموا على حزني بكل جبروت، وجوزي وبنت خالته من ناحية تانية عايشين في عالم تاني خالص من الفرفشة والضحك.

في اللحظة دي، الصينية اللي في إيدي حسيت إنها جمرة نار. بصيت لجوزي اللي لسه ما انتبهتش لوجودي من كتر اندماجه، وحسيت إن كل ذرة حب أو احترام كانت جوايا للشخص ده ماتت واندفنت مع أمي في نفس اليوم

حطيت صينية الأكل قدامهم على الترابيزة بكل قهر الدنيا، وإيدي كانت بتترعش والدموع مغمية عيني. ما بصيتش في وش حد منهم، ولا استنيت أسمع كلمة واحدة. لفيت ضهري وبمنتهى الحسم أخدت عبايتي ومفاتحي وخرجت من الشقة كلها، وسبت ورايا بيت مفيش فيه ريحة الرحمة.

رجعت على بيت أمي.. البيت اللي كان دايماً أماني، ودلوقتي بقى فاضي ومكسور. دخلت وسط خالاتي وقرايبي عشان أكمل واجب العزا، وهناك بس حسيت إني قادرة أتنفس وأصرخ وأعيش وجعي وسط ناس بجد حاسة بقيمتها وبتبكي عليها من قلبها.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *