حكايات نورهان العشري 3
اشتريت نفسي بقلم نورهان العشري الجزء الخامس ❤️
جواد مكنش في وعيه، الدم كان بيفور في نفوخه لدرجة إنه مكنش سامع غير ض.ربات قلبه السريعة وصوت ولاء وهي بتقوله:
“كان بيبصلي بصات قذرة من وأنا على ذمتك”. نزل من المكتب ركب عربيته وطار على معرض العربيات بتاع محمود. دخل المعرض زي الإعصار، الموظفين أول ما شافوا هيبته وبدلته الميري وعينيه اللي بتطق شرار محدش اتجرأ يقف في طريقه.
محمود كان قاعد ورا مكتبه بيتكلم في الموبايل وبيضحك، وبمجرد ما رفع عينه وشاف جواد، الضحكة هربت من وشه والموبايل وقع من إيده. جواد مأدلوش فرصة ينطق، خطوتين وكان قالب المكتب باللي عليه، وشد محمود من ياقة قميصه ونزل فيه ض.رب وبوكسات وهو معمي بالغضب والغيرة.
محمود كان بيقع على الأرض وجواد ينزل عليه، يض.ربه بكل غله وهو بيصرخ فيه بصوت جهوري هز المعرض كله:
“بتعاكس مراتي يا زبالة؟ بتبصلها وأنا مأمنك ومدخلك بيتي؟ طمعان في طليقتي يا ناقص؟ والله العظيم ما هسيب فيك حتة سليمة!”
الموظفين اتجمعوا وحاولوا يحوشوا جواد بالعافية، ومحمود كان في الأرض وشه بينزف وقميصه مقطوع وبيترعش من الرعب. جواد تف عليه وسابه وهو بينهج وخرج، ركب عربيته ورجع على شقته.. الشقة اللي عاش فيها مع ولاء 8 سنين. حكايات نورهان العشري
دخل الشقة، ورزع الباب.. و كان حاسس بـ كمية الفراغ والبرود اللي في المكان. الشقة كانت ضلمة، ريحة ولاء مكنتش موجودة، ولا كان في صوت العيال وهم بيلعبوا. قعد على الكنبة في الصالة، وحط راسه بين إيديه.
في اللحظة دي، بدأت الذكريات تهاجمه وتدبح فيه. افتكر لما كان يرجع من الشغل تعبان ومهموم، كانت ولاء بتجري عليه، تاخد منه جاكت البدلة بابتسامة صافيه، وتجري تحضر الأكل اللي بيحبه. افتكر لما كان يخاصمها بالشهور، وهي تيجي تعيط وتعتذر وتتحايل عليه يبتسم بس، رغم إنها مكنتش بتبقى غلطانة. افتكر حنيتها، احتوائها، خدمتها لأهله اللي مكنتش بتشتكي منها عشان متزعلوش.
حس بغصة مريرة في حلقه، وعرف قيمتها بجد لما ضاعت من إيده.. لقى نفسه مفتقدها بشكل بيمو.ته، مشتاق لتفاصيلها، لصوتها، لطيبتها اللي داس عليها بغروره. قعد يفكر إزاي يقرب منها تاني؟ إزاي يرجع “ولاء بتاعته”؟ وملاقاش غير العيال.. العيال هما السكة الوحيدة اللي هتوصله ليها. حكايات نورهان العشري
تاني يوم العصر، جواد لبس لبس كاجوال ونزل، وراح على بيت عمه بحجة إنه جاي يشوف ولاده ياسين وجنا ويقعد معاهم. طلع السلم وقلبه بيدق بلهفة مكنش بيفهمها زمان.
ض.رب الجرس.. وبعد ثواني، الباب اتفتح.
جواد اتسمر في مكانه، وأنفاسه ارتبكت بالكامل. اللي فتحت الباب كانت ولاء! مكنتش عاملة حسابها إن جواد هو اللي على الباب، فـ كانت لسه بطبيعتها في البيت.. كانت لابسة قميص بيتي قطن قصير لحد الركبة، وبنص كم، مبيّن جمال ذراعيها ونعومة بشرتها السمرا الساحرة، ورافعة شعرها كله لفوق بشكل عشوائي، ونازل منه خصلات صغيرة على رقبتها.
كان شكلها حلو أوي.. حلو بشكل يوجع القلب. طبيعية، وجميلة، وفيها حيوية وإثارة مكنش شايفها وهي في بيته. جواد حس بشوق كاسح جواه عينيه نزلت على ملامحها وجسمها بـ لهفة وعناد، ونفسه بقى عالي. كان نفسه يمد إيده ويشدها لحضنه، يقفل الباب عليهم وينهي الكابوس دا.
لكن ولاء، أول ما شافت عينه ولمحت اللهفة والجنون اللي فيهم، ملامحها اتصلبت في ثانية، وحل الجفاء والبرود على وشها كأنها شافت واحد غريب من الشارع. اتعاملت معاه بمنتهى القسوة والتجاهل، وربعت دراعاتها قدام صدرها عشان تداري نفسها، وبصوت حاد ونبرة ناشفة ندهت جوه:
“ياسين! أخرج انت واختك يا حبيبي بابا بره جاي يشوفكم.”
وبمجرد ما قابت كلمتها، لفت ضهرها وسابته واقف على الباب، وجريت على أوضتها وقفلت الباب وراها بعنف. حكايات نورهان العشري
جواد وقف مكانه، الدموع كانت هتفر من عينيه من كتر القهر والرفض اللي شافهم في عينيها. دخل الصالة وهو متضايق ومخنوق، الولاد خرجوا جروا عليه وحضنوه، قعد معاهم وحضنهم وفضل يبوس فيهم وهو بيشم فيهم ريحة أمهم.
قعد معاهم حوالي نص ساعة، بيلاعبهم بس عقله وقلبه كانوا في الأوضة المقفولة اللي جوه. وفجأة، العيال قاموا يجيبوا ألعاب من أوضتهم، والصالة بقت هادية تماماً..
في اللحظة دي، سمع صوتها من ورا الباب الموارب بتاع أوضتها.. كانت بتتكلم في التليفون.
صوتها كان ناعم، وبتضحك ضحكة خفيفة ورقيقة، وبتقول بنبرة كلها دلع ورقة:
“ميرسي جداً لذوق حضرتك.. بجد الورد كان يجنن، وتعبت نفسك أوي.. مكنش ليه لزوم كل دا.. ميرسي.. تسلملي.”
الكلمات نزلت على ودن جواد زي مية النار! “ورد؟ وميرسي لحضرتك؟ وتعبت نفسك؟” عقله طار، والغيرة العمياء رجعت تعميه من تاني. نسى نفسه، ونسى إنه في بيت عمه، وقام وقف زي المجنون، وخطى خطوات سريعة وفتح باب أوضتها ودخل عليها فجأة! حكايات نورهان العشري
ولاء اتخضت، ونزلت الموبايل من على ودنها بسرعة، وبصتله بصدمة وغضب وهي واقفة في نص الأوضة:
“أنت إزاي تدخل عليا الأوضة بالشكل دا؟ أنت اتجننت يا جواد؟ أنت بأي حق تقتحم خصوصيتي؟”
جواد قرب منها وعينيه بتطلع شرار، وصدره بيطلع وينزل من كتر الغضب والشوق المكبوت، وقال بصوت مكتوم ماليانه الغل:
“بأمارة إيه بتقولي ميرسي لذوق حضرتك والورد يجنن؟ بتكلمي مين يا ولاء؟ انطقي! مين الكلب اللي بتضحكيله كدا وأنا قاعد بره؟ أنتِ خلاص ما صدقتي اتطلقتي عشان تعيشي حياتك وتكلمي دا ودا؟”
ولاء بصتله بمنتهى البرود والتجاهل، ورفعت راسها لفوق وقالتله بنبرة قطعت كل حبال الرجاء:
“وأنت مالك؟ بصفتك إيه بتتحاسبني؟ جوزي؟ أخويا؟ أبويا؟ أنت طليقي يا حضرة الظابط، يعني غريب.. غريب ملوش دعوة بيا بكلم مين ولا مين بيبعتلي ورد. اللي بكلمه دا أستاذ محامي زميلي ومعجب بيا، ومظنش إن دا يخصك في حاجة. اتفضل اطلع بره أوضتي، وبره بيت أهلي خالص.”
جواد كان واقف قدامها، الغضب واكله والشوق عاصر قلبه، ميكس مرعب من الغيرة والعجز، وبقا باصص لـ شفايفها وعينيها بعناد وهو مش قادر يستوعب إن الست دي كانت بتمو.ت فيه في يوم من الأيام، ودلوقتي بترميه بره حياتها بـ كبرياء مبيتهزش. حكايات نورهان العشري
ولاء مكنتش متخيلة كل الشوق والجنون اللي شيفاهم في عينيه، ملامحها اتغيرت من البرود للغضب الحقيقي، وصوتها علي وهي بتشاورله على الباب:
” اتفضل اطلع بره حالا قبل ما ألم عليك العمارة وأخلي بابا يتصرف معاك!”
بدل ما يرجع لورا أو يخاف من تهديدها، جواد خطى خطوة سريعة، خطوة واحدة كانت كفيلة تلغي أي مسافة بينهم. وقبل ما تستوعب، كانت إيديه الاتنين القويين قبضوا على مرفقيها بعنف ممزوج بلهفة، وزقها ببطء لحد ما ضهرها لزق في الدولاب الخشب. ضغط بجسمه عليها، وحاصرها بالكامل، لدرجة إنها حست بأنفاسه السخنة بتض.رب في وشها، وريحة برفته اللي عاصرت معاه أيام زمان مالت المكان و زلزلت حواسها، و عينيها وسعت وهي حاسة بصلابة جسمه وقربه المرعب، حاولت تزق صدره بـ إيدها وهي بتنهج:
“سيبني يا جواد.. ابعد عني أنت بتعمل إيه؟” حكايات نورهان العشري
جواد متهزش، كان باصص في عينيها بنظرة غريبة، نظرة تملك وشوق وحرمان، عينيه كانت بتتحرك على ملامح وشها، على شعرها المرفوع، وعلى شفايفها اللي كانت بتترعش من الغضب والخضة. انحنى براسه شوية وبصوت واطي، نبرة مبحوحة، دافية، و مليانة شوق بيعذبه قالها:
“بتعامليني على إني واحد غريب؟ بتداري مني تفاصيلك اللي أنا حافظها يا ولاء؟ أنا حافظ تفاصيل جسمك حتة حتة، حافظ ريحتك، حافظ دقة قلبك لما بتخافي أو بتفرحي.. أنتِ بتستخبي مني أنا؟”
الثبات الحديدي اللي ولاء بقالها شهرين بتبنيه، النيولوك، لبس المحاماة، الوش البارد.. كل دا اتهز في ثانية تحت تأثير قربه. قلبها بدأ يض.رب في صد.رها وحست بركَبها سابت. الشوق القديم، الـ 23 سنة حب مكنوش هينين، حسيت بجاذبية مرعبة بتشدها ليه، بس في نفس اللحظة افتكرت القلم.. افتكرت الإهانة وكلامهم الجارح.. النار اللي جواها قادت من تاني، وبدأت تعافر وتشد نفسها منه بقوة وهي بتصرخ بصوت مخنوق:
“ابعد عني.. بقولك ابعد!”
جواد قرب أكتر، لدرجة إن شفايفه بقت جمب ودنها، وهمس بصوت كله عذاب ولهفة: “وحشتيني يا ولاء.. وحشتيني أوي.. الشقة ضلمة من غيرك، وأنا بمو.ت في كل ثانية وأنتِ مش قدام عيني.. وحشتيني لدرجة مش قادر أستحملها.”حكايات نورهان العشري
ومع كلمته دي، لف راسه وحاول يبو.سها بـ لهفة راجل راجع من المو.ت وعايز يرتوي من حبيبته، حاول ياخد من شفا.يفها الكلمة اللي تبرد ناره.
في اللحظة دي، ولاء جمعت كل قوتها، وبعنف شديد حطت إيدها على بوقه وزقته لورا بكل غلها، وراحت شادة نفسها من بين إيديه وأنفاسها مقطوعة، عينيها كانت بتطلع شرار ووجع وكسرة، وقالتله بصوت مبحوح ومرتعش من كتر القهر:
“مبقاش من حقك!! سامع؟ مبقاش من حقك تلمسني، ولا تبصلي، ولا تقرب مني ثانية واحدة! أنت رميت عليا اليمين وانت عارف بتعمل ايه وبعتلي عمك بعد ما مشيت بساعتين عشان يقولي تعالي خدي حاجتك.. أنت خسرت حقك فيا للابد يا حضرة الظابط!” حكايات نورهان العشري
جواد وقف مكانه، صدره بيعلو ويهبط، وعينيه حمرا زي الدم، بس مكنش فيه غضب.. كان فيه عناد مرعب وتصميم أعمى، عدل ياقة قميصه وقالها بثقة وبصوت حاد:
“هخليه يبقى من حقي تاني يا ولاء.. ورب الكعبة هخليه يبقى حقي تاني، ومش هسيبك!”
ولاء ضحكت ضحكة وجع وكسرة، واستخفاف، وقالتله:
“تخليه من حقك؟ شكلك نسيت. أنت راجل داخل على جواز! روح لخطيبتك الجديدة اللي روحت جريت خطبتها بعد طلاقنا بشهرين. روح عيش حياتك مع بنت البنوت اللي مامتك نقتهالك وسيبني في حالي!”
جواد خطى خطوة تانية ناحيتها، وعينيه لمعت بدموع الندم والشوق، وقال بنبرة طالعة من قاع قلبه:
“تولع الخطوبة، وتولع دنيتي كلها لو مش هكوني فيها! أنا كنت غبي، كنت أعمى ومغرور، ومكنتش شايف الجنة اللي كنت عايش فيها.. أنا راجل اكتشف إنه كان معاه جوهرة وضيعها من إيديه بسبب غباوته، بس وحياة حبي ليكي اللي متأكدتش منه غير لما خسرتك، هعمل المستحيل والممكن عشان أرجعها تاني لحضني!” حكايات نورهان العشري
ولاء وقفت، وربعت دراعاتها، ورفعت راسها بكبرياء وفخر، وبصتله بعين جامدة وقالت بصوت قاطع زي السيف:
“دا بعدك يا جواد! خلاص.. الجوهرة عرفت قيمة نفسها، الجوهرة اللي كنت بتدوس عليها وتعايرها اللي مكنتش شايفها النهاردة بقت الأستاذة ولاء المحامية اللي بتوقف رجالة بشنبات قدامها في المحاكم. زمان كنت بركع تحت رجلك عشان ابتسامة، النهاردة لو ركعت أنت تحت رجلي مش هبصلك.. فوق لنفسك، ولاء القديمة ماتت ودفنتها بإيدك يوم ما طلقتني.”
جواد ضغط على سنانه لدرجة إن عروق جبهته ظهرت وبقت تنبض، الغيرة والشوق والعناد وصلوا لأعلى نقطة عندهم، قرب منها خطوة أخيرة، وبص في عينيها بنظرة تملك وتهديد حارق، وقال بنبرة واطية بس قوية زي الرعد:
“وحياة أمي ما هسيبك تكوني لغيري.. وحياة كل ثانية عيشتها في بعدك مقهور، ما هسكت ولا هيهدالي بال غير لما أرجعك لحضني تاني يا ولاء، وتكوني مراتي وعلى ذمتي.. واليوم دا قسماً بالله جاي، وافتكري كلامي كويس!” حكايات نورهان العشري
سابها واقفة في نص الأوضة، جسمها كله بيترعش، ونفسها عالي و جواها خليط مرعب من المشاعر.. شوق وغضب وقهر، ولف ضهره وخرج من الأوضة ورزع الباب وراه برزعة هزت البيت كله، وساب وراه ريحة المعركة اللي لسه هتبدأ بجد.
اشتريت نفسي بقلم نورهان العشري الجزء السادس ❤️
الأيام كانت بتجري، والمعركة ورا الكواليس كانت قايدة مابتنطفيش. جواد مكنش بيهدا، العناد والغيرة والندم عموا عينيه وبقى بيحارب بكل أسلحته عشان يرجعني. بعتلي ناس من العيلة، كبار البلد، صحابه المستشارين، وحتى زمايله الظباط.. الشقة مبقتش تخلى من ناس جاية وناس رايحة، كلهم بكلمة واحدة:
“يا ولاء ابن عمك شريك عمرك شاري وندمان، و متمسك بيكِ لآخر نفس”.
كنت بقعد قصادهم بكامل أناقتي وثباتي، وبنبرة باردة وابتسامة هادية أقول:
“جواد كتر خيره، بس النصيب اتقطع، واللي انكسر عمره ما بيتصلح.. أنا مش هقدر ارجع من تاني كل شيء قسمة و نصيب”.
لما لقى السكة دي مقفولة، لعب بآخر كارت يملكه.. العيال.
في يوم، ياسين وجنا دخلوا عليا الأوضة، ياسين وشه حزين وجنا عينيها مدمعة، مسكت إيدي وقالتلي بصوت بيقطع القلب:
“ماما.. بابا زعلان أوي وكل يوم بيقعد في شقتنا لوحده وبيعيط.. هو قالنا إنه بيحبك أوي ونفسه نرجع كلنا نعيش مع بعض.. عشان خاطري يا ماما ارجعيله”. حكايات نورهان العشري
قلبي اتقطع من جوايا، الألم عصر روحي وعينيا لمعت بالدموع، بس جمدت قلبي وحضنتهم وقُلتلهم:
“يا حبايب ماما، بابا هيفضل باباكم، وأنا هفضل مامتكم، بس رجوع للبيت دا تاني مستحيل.. متخلّوش حد يمليكم كلام تيجوا تقولوهولي”.
ولما كل محاولاته فشلت، وجواد لقى نفسه هيفقدني للأبد، عمل الحاجه اللي مكنتش أتخيل في حياتي إنها تحصل..
الباب خبط، وفتحت بابا.. ولقيت حماتي، وبناتها مروة وإخواتها واقفين على الباب!
حماتي.. الست اللي كانت بتقولي “أنتِ هنا زيك زي الكرسي”، الست اللي عايرتني بسماري وبسني.. واقفة قدام بابي، وشها في الأرض، مكسورة وعينيها دبلانة. دخلوا الصالة، وقعدوا.
حماتي بصتلي، والدموع نزلت من عينيها، وبصوت مرتعش مكنتش متعودة عليه قالت:
“سامحيني يا ولاء.. أنا جيتلك لحد بيتك وأنا الست الكبيرة عشان أعتذرلك.. أنا غلطت في حقك، والكلام اللي قُلته كان وزة شيطان.. ابني بيموت يا بنتي، جواد من يوم ما مشيتي وهو زي المجنون، ساب خطيبته، ومبينامش، وبيكلم نفسه.. بيقولي انتي اللي خربتي بيتي. عشان خاطر ولادك سامحيه و سامحينا وارجعي بيتك وإحنا محدش فينا هيزعلك تاني”.
بصيت لحماتي، وبصيت لمروة أخت جواد اللي كانت قاعدة بتعيط ووشها أحمر من القهرة بعد اللي محمود جوزها عمله. سحبت نَفَس طويل، وربعت دراعاتي، وبكل كبرياء وجفاء الدنيا قُلت لحماتي:
“أنا يا حماتي كنت قادرة أخرب بيت بنتك مروة.. محمود جوزها جالي لحد مكتبي وركع تحت رجلي، وقالي هكتبلك شقة باسمك وهعيشك ملكة بس اتجوزيني.. كنت قادرة أوافق وأكسر عين بنتك وأردلك القلم ميت قلم، وأحط راسكوا في الأرض وسط العيلة كلها.. ومردتش! عارفة ليه؟ عشان أنا بنت أصول، ومتربية في بيت بيعرف يعني ايه عشرة وأصل..”حكايات نورهان العشري
حماتي بدأت تبكي بحرقة وقالت:
“عارفين يا بنتي، وعشان كدا جينالك.. قولي شروطك وإحنا موافقين عليها، بس ارجعي لجواد”.
سحبت إيدي من إيدها بهدوء وقُلتلها بجمود قاتل: ” اعتذارك على عيني وراسي، بس ولاء اللي كانت بتتهان وتسكت ماتت.. اتفضلوا كتر خيركم، ومستحيل أرجع”.
في نفس الليلة.. الساعة كانت اتنين بعد نص الليل.
كنت قاعدة في أوضتي، وبقرأ في كتاب قانون، بس الحقيقة إني مكنتش مركزة.. كلام حماتي وعياط العيال وشكل جواد المجنون كان لافف حوالين رقبتي زي الحبل. الشوق كان بياكل في قلبي، الوجع مكنش بيهدا، أنا لسه بحبه.. لسه روحي متعلقة بيه، بس كرامتي كانت زي السد العالي واقفة بيني وبينه.
فجأة.. الموبايل بتاعي رن. بصيت على الشاشة.. لقيت رقمه.
ترددت ثواني، قلبي دق بسرعة، ولقيت نفسي بفتح الخط من غير ما أتكلم.
سمعت صوت أنفاسه السخنة الصمت فضّل بيننا ثواني، لحد ما صوته طلع مبحوح، تعبان، مليان بالوجع والشجن والعذاب، وقالي بهمس قطع قلبي:
“ولاء.. أنتِ صاحية؟”
رديت بنبرة جافة حاولت أطلعها قوية:
“عايز إيه يا جواد؟ بتكلمني في وقت زي دا ليه؟”
جواد اتنهد تنهيدة طويلة، تنهيدة طالعة من جوا روحه المكسورة، وبصوت فيه بحة ندم قال:
“مش قادر يا ولاء.. قسماً بالله العظيم مش قادر.. أنا بموت في كل ثانية الشقة ضلمة من غيرك ريحتك في كل حتة.. أنا كنت أعمى، كنت مجنون يا ولاء يوم ما ضيعتك من إيدي.. أنا بحبك.. أنا عمري ما أحببت ولا هحب حد غيرك.. أنا عرفت قيمتك متأخر بس وحياة الولاد عندك ما تسبيني ضايع كدا.. ارجعيلي يا ولاء.. ارجعيلي وأنا هبوس راسك قدام الدنيا كلها” حكايات نورهان العشري
الكلمات نزلت على قلبي زي السكاكين. الشوق اللي بيننا كان مالي قلوبنا كنت حاسة بنبرة ولهفته وشوقه و قد أيه هيتجنن ويوصلي، دموعي نزلت غصب عني وسالت على خدي بحرقة وقهر.. الكلمة اللي كنت بستناها منه 8 سنين بيقولها النهاردة وأنا بعيدة! قهرني وقهر نفسه.
مسحت دمعتي بسرعة، وعضيت على شفايفي عشان صوتي ميرتعش، وقُلتله بنبرة ماليانة عناد وجفاء وصوت قاطع:
“مبقاش ينفع يا جواد.. الكلمة دي جاية متأخرة أوي.. جاية بعد ما الجرح نزف كتير وبعد ما الروح شاخت من القهر.. أنا كمان كنت بموت في بعدك زمان وأنت مكنتش هنا أصلاً.. دلوقتي خلاص، مبقاش ينفع نرجع، وكل واحد يعيش حياته.. اقفل يا جواد ومتصلش هنا تاني”. حكايات نورهان العشري
قفلت السكة في وشه.. ورميت الموبايل على السرير، وانهرت في العياط وأنا كاتمة صرختي في المخدة.. الشوق كان بيدبحنا إحنا الاتنين، بس العناد والكرامة كانوا أقوى من أي حب.
مرت الأيام، وكنت فاكرة إني خلاص بنيت السد اللي مفيش وراه رجوع. بس جواد ميبقاش جواد الراوي لو استسلم، وأنا مكنتش أعرف إن الراجل لما بيعشق بجد بعد فوات الأوان، بيتحول لـ طفل مستعد يهد الدنيا عشان يرجع حضن أمه.
في يوم، كنت خارجة من مكتب المستشار فريد المنشاوي بعد يوم شغل طويل. كنت نازلة السلم وأنا بفكر في القضايا اللي ورايا. أول ما رجلي خطت بره باب العمارة وبقيت في الشارع، اتفاجئت بمنظر خلاني اتسمر في مكاني..حكايات نورهان العشري
أهلي كلهم كانوا واقفين! بابا، ماما، أختي منى وجوزها، وحتى عمي علي وعمي التاني.. العيلة كلها كانت واقفة على الرصيف وباصينلي بابتسامة غريبة، ميكس بين الفرحة والترقب. قلبي اتنفض في صدري واتخضيت خضة عمري، جريت عليهم وأنا بنهج وقُلت بصوت مرعوب:
“في إيه؟ جرى إيه يا جماعة؟ مالكم واقفين كدا ليه؟ الولاد فيهم حاجة؟ بابا أنت كويس؟”
بابا مسك إيدي وطبطب عليا وهو بيضحك وعينيه مدمعة من الفرحة، وقال بصوت حنين:
“مفيش حاجة يا قلب أبوكِ.. بس ارفعي عينك للسما كدا وشوفي.”
رفعت راسي ببطء.. ولقيت المنظر اللي صدمني ووقف النبض في قلبي. في لحظة واحدة، طارت في السما مئات البلالين الحمراء والبيضاء، وفوقهم بلونة هليوم ضخمة جداً، متعلق فيها لافتة قماش عريضة ومكتوب عليها بخط ذهبي كبير وواضح للدنيا كلها:
” بحبك يا ولاء.. سامحيني يا ملكة قلبي”
دموعي نزلت في ثانية، وخبيتها ورا نضارتي وقلبي بدأ يضرب في صدري زي الطبول. وفجأة، حسيت بـ حركة ورايا، وخطوات واثقة بتقرب. لفيت ببطء.. وكان هو.
جواد.. بـ هيبته، ووسامته، بس المرة دي مكنش لابس البدلة الميري، كان لابس بدلة كاجوال شيك، وعينيه مكنش فيها لا غضب ولا غيرة عمياء.. كان فيها كمية شوق وولهفة وانكسار حبيب مستعد يبيع الدنيا عشان نظرة رضا. كان شايل في إيده بوكية ورد روز أحمر كبير، قرب مني لحد ما بقى واقف قصادي قدام أهلي، وقدام الناس في الشارع اللي بدأت تقف وتتفرج وتسقف. جواد بص في عيني بنظرة دّوبت كل جبال الثلج والعناد اللي بنيتها جوايا. نزل على ركبته نص نزلة، ومد إيده بالورد وقال بصوت جهوري ومبحوح في نفس الوقت، صوته هز الشارع كله:
“بقولهالك قدام أهلِك، وقدام الناس كلها، وقدام ربنا قبل أي حد.. أنا بحبك يا ولاء! بحبك ومقدرش أعيش ثانية واحدة من غيرك. أنا كنت غبي ومجنون وأعمى بس وحياة دموعك الغالية دي، وحياة الـ 8 سنين اللي عيشتيهم بتستحمليني، ماليش حياة بره حضنك.. سامحيني يا بنت عمي، سامحيني يا حب عمري.
في اللحظة دي.. ولاء القوية واللي قررت تقف في وش قلبها قبل أي حاجة. بقت أضعف من أضعف حاجة في الدنيا . الـ 23 سنة حب اللي اتولدوا معايا من طفولتي طلعوا هما اللي كسبانين. أنا ضعفت.. ضعفت بالمعنى الحرفي للكلمة قدام لهفته ودموعه اللي لمحتها في عينيه لأول مرة في حياتي. النظرة المكسورة والاعتراف اللي تمنيته عمره كله كان بين إيديا.حكايات نورهان العشري
مسحت دموعي ونزلت نضارتي، وبصيتله وعيني بتضحك وتبكي في نفس الوقت. بابا قرب منا وحط إيده على كتف جواد وقاله:
“قوم يا ابني.. صون بنتي وشيلها في عينك، دي جوهرة عايزة اللي يحافظ عليها.”
جواد قام وقف، وعينيه بتلمع بـ فرحة طفل كأنه ملك الدنيا. قرب مني، ومسك إيدي قصادهم كلهم وقال بنبرة ماليانة عهد ووعد:
“والله العظيم هعمل المستحيل عشان أسعدك وأعوضك عن كل ثانية وجع عيشتيها بسببي.. أنتِ من النهاردة فوق راسي و عمري ما هزعلك تاني
متكلمناش كتير.. الحزن والوجع اتمحوا في ثانية، وحل محلهم لهفة الرجوع. ركبنا العربيات وكلنا على المأذون.. نفس المكتب اللي شهد كسرتي من كام شهر النهاردة كان بيشهد على ولادتي من جديد.
قعدنا قصاد المأذون، وجواد إيده مكنتش سايبة إيدي ولا ثانية، كأنه خايف أهرب منه أو أختفي. ولما المأذون قال كلمته الشهيرة وجواد رد ورايا ورجعني لعصمته وعلى ذمته.. المأذون لسه بيقفل الدفتر، لقيت جواد قام واتنفض من مكانه، وبدون أي مقدمات وقدام أهلي كلهم، شدني لحضنه بعنف وشوق كبير! حكايات نورهان العشري
حضنّي لدرجة إني حسيت بضلوعه بتضغط على ضلوعي، كأنه بيدخلني جوه صدره عشان يقفل عليا للآبد. دفن راسه في رقبتي وبقى يتنفس ريحتي بـ لهفة وعياط مكتوم، وهو بيهمس في ودني بصوت كله عشق وولع:
“الحمد لله يا رب.. رجعتيلي يا ولاء.. رجعتيلي يا قلب جواد.. والله ما هفرط فيكِ تاني طول عمري.. بحبك، بعشقك يا قمر حياتي كلها.”
أنا كمان حوطت رقبتي بـ إيديا، وغمضت عيني وأنا حاسة بـ أمان الدنيا كله بيرجعلي.. الحرب خلصت، والعناد اتهزم، والحب انتصر.. والضحكة والكسرة اللي في الآخر بقت فرحة ماليانه البيوت إحنا الاتنين.
تمت اشتريت نفسي بقلم نورهان العشري ❤️