حماتي رفعت ايديها حكايات نور محمد 2
أحمد تغير بشكل جذري؛ لم يعد ذلك الرجل الذي يهرب من المواجهة أو يداري خيبة أمله بالصمت. أصبح أكثر استقلالية في قراراته، وأكثر حرصاً على إشعاري بالأمان في كل لحظة. كان ينزل لعمله صباحاً وابتسامته تسبقه، ويرجع في المساء يحمل معه أفكاراً لبيتنا الصغير، يشاركني تفاصيل يومه بكل أريحية، ويكتشف معي معاني جديدة للزواج لم نكن نعرفها وسط صخب المشاكل القديمة. في المقابل، كانت الحاجة ثريا تحاول التأقلم مع الواقع الجديد. الواقع الذي أصبحت فيه ندى ليست مجرد “كنة” تطيع الأوامر، بل امرأة لها كرامتها وخطوطها الحمراء التي لا يمكن لأحد أن يتعداها.
كانت مكالماتها لأحمد تقل تدريجياً من حيث لغة التحكم، وبدأت تدرك أن السيطرة التي فرضتها لسنوات على بيتها وأولادها قد انكسرت عند العتبة التي قفشت فيها إيدها في الهواء. لكن الأحداث في بيت عائلتي أنا كانت تأخذ منحنى آخر. في أحد أيام الثلاثاء، تلقت والدتي اتصالاً هاتفياً من خالتي “ماجدة”، وهي الست التي كانت دائماً ترى أن السكوت على ظلــ,,ـــــم الزوج وعائلته هو “أصل الأدب”.
كانت خالتي قد علمت بكل ما حدث من التفاصيل التي تسربت عبر العائلة، وقررت أن تتدخل لتلقنني درساً في “الأصول”. جاءت خالتي لزيارتنا في بيت أهلي أثناء وجودي هناك بعد انتهاء ساعاتي في الشركة. جلست في الصالة، وألقت بحقيبتها على الأريكة، ونظرت إليّ بنظرات شذر قبل أن تبدأ حديثها. قالت خالتي بنبرة حادة وساخرة: “أهلاً بالمهندسة ندى.. اللي ملأت العيلة كلام وخربت بيتها بإيدها! بقى إنتي يا بت ترفعي إيدك على حماتك؟
تكسري كلمة الست الكبيرة وتخرجي جوزك من بيت أبوه؟ دي الأصول اللي اتعلمتيها هنا؟” كانت والدتي تسير باتجاه الصالة تحضر الشاي، لكنها توقفت عندما سمعت كلام أختها. قبل أن تنطق أمي بكلمة، نظرت إلى خالتي بثبات، وشعرت بالقوة نفسها التي سريت في جسدي ليلة الخميس الشؤوم. قلت بهدوء شديد ورزانة: “يا خالتي، الأصول إن البني آدم يحترم نفسه عشان الناس تحترمه. الأصول إن الست لما تدخل بيت جوزها، تدخل كرامتها معاها، مش تسيبها على الباب عشان ترضي حد. أنا ما ضــ,,ـــــربتش حماتي، أنا منعتها تضــ,,ـــــربني.. وفرق كبير بين العدوان وبين دفاع البني آدم عن كرامته.”