حماتي رفعت ايديها حكايات نور محمد 2
أثناء خروجنا في الممر، لحقت بنا مروة وهي تحاول تدارك موقفها. قالت بنبرة فيها ملاطفة مصنعة: “ندى.. والله نورتِ المستشفى، إحنا كنا قلقانين أصل الحاجة زعلت قوي لما أحمد مشي، والتعب ركبها فجأة.” التفتُّ إليها، وبصيت في عينيها مباشرة بابتسامة هادئة: “الزعل بييجي لما البني آدم ينسى إن لكل فعل رد فعل يا مروة. والبيت اللي يتسد بابه بالاحترام، ما تقدرش العواصف تهده. عقبال ما ترتاحوا كلكم وتعرفوا إن كل واحد فينا بقى في مكانه الصح.” تلعثمت مروة ولم تجد ما ترد به، فسحبت نفسها وعادت لغرفة حماتها.
مرت الأيام التالية، وعادت الحاجة ثريا إلى بيتها. لكن البيت الكبير لم يعد كما كان. الشبح الذي كان يرهب الجميع—شبح الهيمنة المطلقة—قد تحطم في ليلة الخميس الشهيرة عندما امتدت يدي لتوقف يدها في الهواء. أصبح الجميع يعلمون أن ندى ليست صيداً سهلاً، وأن أحمد لم يعد ذلك الابن المطيع على حساب كرامته وزوجته. في يوم الجمعة التالي، وبعد مرور شهرين على انتقالنا للشقة الجديدة، كنا نجلس أنا وأحمد في صالتنا المشرقة.
كان أحمد يشرب قهوته وهو يراجع بعض أوراق عمله، بينما كنت أقرأ كتاباً على الأريكة. كان الهدوء والسلام يلفان المكان، سلاماً مدفوع الثمن صبراً واستقلالية. رن هاتف أحمد. كان المتصل هذه المرة هو والده، عمي “حسين”، الذي كان دائماً يفضل الابتعاد عن المشاكل والتزام الصمت أمام قوة زوجته. قال عمي حسين بصوت هادئ: “إزيك يا أحمد يا بني؟ إيه، مش ناوي تجيب مراتك وتيجوا تتغدوا معانا الجمعة دي؟ البيت من غيركم ملوش طعم، وأمك بقت أهدى كتير، والكل عايز يشوفكم.” نظر إليّ أحمد واستأذنني بعينيه قبل أن يرد. أومأت له برأسي موافقة، ولكن بشروطي المستقرة.
رد أحمد بثقة: “نيجي يا بابا على رأسنا من فوق، بس الغدا هيكون زيارة خفيفة ساعتين بالكتير، وندى مراتي جاية ضيفة عزيزة مكرمة، محدش يوجه لها كلمة تضايقها ولا يفتح القديم.” رد والد أحمد بتنهيدة relief: “حقك يا بني، واللي إنت عايزه هيكون. المستشفى علمتنا كلنا إنك كبرت وبقى عندك بيت تحميه.” في تمام الساعة الثالثة عصراً، وصلنا لبيت عائلة أحمد. كانت هذه هي المرة الأولى التي أطأ فيها هذا البيت منذ ليلة الخميس الشؤوم.