حماتي رفعت ايديها حكايات نور محمد 2
عندما فتحت مروة الباب، كان وجهها يحمل مزيجاً من الاحترام والحذر. دخلنا الصالة، وكانت الصينية مرصوصة، لكن الجو هذه المرة كان مختلفاً تماماً. لم تكن هناك نظرات التهديد، ولا كلمات السخرية الضمنية. قامت الحاجة ثريا من مكانها ببطء. كانت ملامحها أكثر هدوءاً، وبريق السيطرة الشرــ,,ـــــسة قد انكسر ليحل محله وقار السن الحقيقي. تقدمتُ نحوها وسلّمت عليها ببرود راقٍ: “إزيك يا طنط، يارب تكوني بقيتِ أحسن.
” سحبت يدها ببطء، ونظرت إليّ مطولاً، ثم قالت بنبرة خالية من الغل لأول مرة: “الحمد لله يا ندى.. بقيت أحسن. اتفضلوا اقعدوا.” جلسنا على السفرة. “عشاء الخميس” القديم تحول إلى “غداء الجمعة” الجديد. لم يتجرأ أحد على الحديث عن عملي، ولا عن طبخي، ولا عن الشقة الجديدة. كان أحمد يجلس بجواري، يضع الأكل في طبقي أمام الجميع، وينظر إليّ بكل فخر وحب، ويعاملني أمام أهله كأميرة لها كلمتها ووزنها. عندما انتهى الغداء، وقفت لأساعد في لم السفرة كما كنت أفعل سابقاً، لكن الحاجة ثريا قالت فوراً لمروة: “شيلي إنتي يا مروة، ندى ضيفة النهاردة وما تعملش حاجة.
” ابتسمتُ في سري. لقد فهمت الرسالة؛ لم أعد “الكنة” الجارية التي تُستغل وتُهان، بل أصبحت الزوجة القوية التي يُحسب لها ألف حساب، والتي أجبرت الجميع على احترام حدودها لأنها احترمت نفسها أولاً. استأذنا ونزلنا بعد ساعتين بالضبط كما اتفقنا. ونحن ننزل على السلالم نفسها التي نزلت عليها ليلة الخميس وأنا أبكي دموع التحرر، مسك أحمد يدي وضمها بقوة. نزلنا للشارع، وكان الهواء نقياً والشمس دافئة. التفت إليّ أحمد وقال بابتسامة حنونة: “عارفة يا ندى؟
أنا النهاردة حاسس إني راجل بجد لأول مرة في حياتي. حاسس إن بيتنا اتبنى على صخر مش على رمل.” نظرت له بثبات وقلت: “البيت اللي يتبنى على الكرامة والاحترام يا أحمد، مفيش قوة في الدنيا تقدر تهده. وأنا معاك طول ما الساس ده ثابت.” ركبنا سيارتنا وانطلقنا نحو بيتنا الجديد، بيتنا الذي صنعناه بأيدينا بعدما أوقفنا الزمن بضــ,,ـــــربة جريئة وقفيشة يد واحدة غيّرت مسار حياتنا إلى الأبد. مرت الأيام على زيارة بيت العائلة، واستقرت حياتنا في الشقة الجديدة على وتيرة دافئة وهادئة. لم تكن تلك الهدوء الذي يسبق العاصفة، بل كان هدوء الأرض التي استقرت بعد زلزال عنيف أعاد ترتيب كل شيء في مكانه الصحيح.