المستشفى حكايات رومانى مكرم 2

في هذه الأثناء، كان سيد يمر بليلة هي الأكثر سوادًا في حياته.

جلس على رصيف الشارع أمام المستشفى بعد أن رفضت الإدارة خروج أمه إلا بعد سداد المبلغ أو تقديم ضمانات مالية. التليفون لم يتوقف عن الرنين: الموردون يطالبون بديونهم، شيرين أغلقت هاتفها في وجهه بعد أن وضعت مولودها في شقتها الجديدة، والبنك أرسل مندوبًا لمقر الشركة لاستكمال إجراءات التحفظ.

اضطر سيد للتنازل عن كبريائه، ورهن سيارته الشخصية لتاجر سيارات مستعملة بنصف ثمنها، ليوفر مبلغ الـ 85 ألف جنيه كاش. أسرع إلى المستشفى وسدد الحساب، ودخل غرفة أمه الحجة فاطمة وهو يجر قدميه ومحاطًا بهالة من الانكسار والانهيار.

كانت الحجة فاطمة تجلس على السرير، وجهها شاحب ولكن نبرة الأنانية لم تفارقها.

أول ما رأته صرخت:

— “تأخرت ليه يا سيد؟ وين نجلاء؟ خليها تجي تاخدني بالسيارة وتسويلي اللقمة، أنا جائعة وتعبانة من أكل المستشفى!”

سيد ألقى بنفسه على الكرسي المائل بجوار السرير، وبكى بحرقة لم تشهدها أمه منه طوال عمره:

— “نجلاء مش جاية يا أمي.. نجلاء باعت الشقة، وأخدت الـ 7 مليون، وقَفلت حساباتنا، وطلبت الطلاق رسمياً! نجلاء عرفت كل حاجة.. شفتها وهي واقفة في ممر الولادة وسمعتك وأنتِ بتقوليلي إجري كمل مع شيرين!”

اتسعت عينا الحجة فاطمة بصدمة، وتلعثمت:

— “شـ.. شفتنا؟ والـ 7 مليون بتوعها؟ والشقة؟ أنت بتقول إيه يا سيد؟ إحنا هنروح فين؟”

سيد رفع رأسه وعيونه حمراء كالجمر:

— “هنروح الشارع يا أمي! شيرين وأخوها سرقوا البضاعة والمناقصات، ورفعوا عليا شيكات، والشركة محجوز عليها، وشقة شبرا ائتباعت للغير! الولد اللي كنتِ بموتِ عليه جاب أهله وجردوني من كل حاجة ورموني!”

سقطت الحجة فاطمة على الوسادة وهي تصرخ وتلطم خدودها، تستوعب لأول مرة حجم الكارثة التي تسببت فيها بطمعها ورغبتها في السيطرة. الست التي كانت تستغلها وتعتبرها مجرد خادمة “عمياء بتسمع الكلام”، كانت هي الأمان والغطاء والسند الحقيقي الذي يستر عورات هذه العائلة.

في صباح اليوم التالي، وتحديدًا في تمام الساعة العاشرة صباحًا، كان الجمع يحتشد أمام المقر الرئيسي لمخازن شركة العريان.

حضر مدحت شقيق شيرين ومعه شاحنات كبيرة مصحوبة ببدلاء وعمال لنقل البضاعة الموجودة داخل المخازن لحسابه الخاص، مستندًا إلى التنازلات العرفية التي أخذها من سيد. وفي المقابل، كان سيد وأخته سحر يقفون على بوابة المخزن يحاولون منعهم بالقوة، والتلاسن كاد يتحول إلى مشاجرة بالأيدي.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *