ابني قالي: «مفيش مكان ليكي3
خرج كريم من بوابات السجن متوجهًا مباشرة إلى المنصورة، لا يملك من حطام الدنيا شيئًا سوى ندامته ورغبته في الغفران.
في عصر يوم جمعة مشمس، كانت سعاد تجلس في بلكونة شقة المنصورة القديمة، ويوسف وملك يلعبان في الصالة بصحبة الأستاذ عبد العزيز الذي أصبح بمثابة العراب والعائل الحامي للعائلة.
طرُق الباب بهدوء. فتح يوسف الباب ليجد والده يقف عند العتبة، نحيفًا، حاسر الرأس، يحمل في يده باقة صغيرة من الزهور المفضلة لأمه، وعيناه تغرقان في الدموع.
ركض يوسف وملك إلى حضنه، لكن كريم جثى على ركبتيه فورًا واعتصرهم في عناق طويل، ثم تقدم بخطوات بطيئة نحو البلكونة، وسقط عند قدمي أمه سعاد، يمرغ وجهه في يدها وبكاؤه يتردد في أرجاء المنزل:
— “سامحيني يا ماما.. رجعت لك من غير مال ولا جاه ولا عربية.. رجعت لك ابنك اللي ولدتيه من جديد.”
وضعت سعاد يدها على رأسه، ومسحت على شعره بنفس الحنان الذي رافقه طفلاً، وقالت بصوت هادئ ومفعم بالحكمة والسكينة:
— “قم يا كريم.. اللي فات مات، والقانون أخد حقه، والدنيا علمتك الدرس اللي كان لازم تتعلمه. الفلوس بتروح وترجع، بس الكرامة والرحمة لو راحوا مابيرجعوش.”
انضمت نيرمين بعد انقضاء عقوبتها إلى الأسرة في المنصورة، ولكن بشروط سعاد وقواعدها؛ بيت يتأسس على الاحترام، والبر، والرضا، وطي صفحة الجشع والطبقية الزائفة إلى الأبد.
في ليلة رأس السنة الجديدة، اجتمعت العائلة كلها في صالة شقة المنصورة. كان كريم يجهز العشاء بنفسه، ونيرمين تساعد سعاد في تحضير الشاي، والأحفاد يضحكون ويلتقطون الصور.
وقف كريم ومسك هاتفه ليلتقط صورة العائلة. هذه المرة، لم ينسَ أحدًا. كانت سعاد تجلس في المنتصف، ترتدي بلوفرها الموف الفاتح، تحيط بها ذراع ابنها وأحفادها، وابتسامتها الصافية تملأ الكادر.
نظر كريم إلى أمه وابتسم وهو يلف مفاتيح الشقة في يده، ثم قال بصوت يملؤه الامتنان والدفء:
— “يا ماما.. العربية والشقة والعمر كله.. مفيش فيهم مكان أغلى ولا أهم من مكانك.”
ابتسمت سعاد، ونظرت إلى السماء ممتنة لرحلة الألم التي أعادت لها ابنها وعائلتها بلحمة أقوى وصفاء خالص، وتأكدت أن الحق وإن تأخر، فإنه دائمًا يجد طريقه إلى النور.
عينيها وابتسمت.
طبعًا. عجبتني الفكرة جدًا.
فرح أحمد.
بجد؟
أيوة. نجمع العيلتين ونقضي يوم حلو.
ممتاز.
قرب منها وباسها على خدها.
إنتِ أحسن زوجة في الدنيا.
بصتله ثواني.
نفس الوش.
نفس الابتسامة.
نفس النظرة اللي كانت بتدوبها زمان.
لكن دلوقتي كانت شايفة شخص غريب.
شخص ما تعرفوش.
الخميس بالليل وصلت رسالة من حماتها.
يا ندى يا بنتي، معلش هتعبك معايا. الدكتور كتبلي علاج زيادة. ممكن عشرة آلاف كمان؟
بصت ندى للرسالة.
وضغطت تحويل.
العشرة آلاف وصلوا.
لكن المرة دي وهي بتبعتهم كانت بتتخيل الشنطة الجديدة اللي حماتها ممكن تشتريها بيهم.
أو خروجة.
أو هدية لنفسها.
أكيد مش علاج.
جاء يوم السبت.
الشمس كانت جميلة.
والجو مثالي.
ندى صحيت من بدري جدًا.
رتبت البيت.
حضرت الأكل.
وزبطت كل حاجة بالتفصيل.
لكن أكتر حاجة اهتمت بيها كانت السماعات الكبيرة الموجودة في الجنينة والصالة.
جربتها أكتر من مرة.
الصوت لازم يوصل لكل شخص موجود.
وصل باباها ومامتها الأول.
وبعدين أختها مريم وجوزها.
وبعدين أخو أحمد وعيلته.
أما حماتها فدخلت آخر واحدة.
لابسة فستان جديد.
وشنطة ماركة واضحة جدًا.
بصتلها ندى للحظة.
وافتكرت الخمسين ألف جنيه.
يا ندى يا حبيبتي!
حضنتها حماتها بحرارة.
ما شاء الله! البيت تحفة.
تسلمي يا طنط.
العزومة بدأت.
والكل