حماتي حكايات بسمه 2
خرجنا من بيت الخال في تلك الليلة، وكانت السماء صافية والهدوء يعم الشارع. لأول مرة منذ سنتين، شعرتُ أن صَدري يتنفس هواءً نقيًا خاليًا من الهموم والترقب.
محمد مسك يدي وأنا أسير بجانبه، وقال بصوت خفيض مليء بالامتنان والندم: “أنا آسف يا هدى على كل لحظة شكيت فيها أو حسيت إنك بتكبري المواضيع. أنتِ شيلتِ البيت ده وحميتيه في وقت أنا كنت فيه مش شايف الحقيقة.”
ابتسمتُ وقلت له: “المهم إننا نتعلم يا محمد، وإن البيت يفضل مقفول على أصحابه بالمودة والكرامـة.”
مرت ستة أشهر بعد تلك الليلة.
عادت حياتنا إلى مجراها الطبيعي. الحسابات البنكية فُكت، والميزانية انتظمت، وأعدنا ادخار أموالنا لمستقبل ابنتنا. حماتي لزمت شقتها، وصارت تعاملنا بحذر شديد وحدود صارمة دون أن تجرؤ على افتعال أي مشكلة أو فرض أي عزومة.
لكن، وفي الوقت الذي ظننا فيه أن كل شيء قد انتهى تماماً وأن المياه عادت إلى مجاريها الأبدية…
حدث ما لم يكن في الحسبان.
في صباح يوم جمعة هادئ، وأثناء استعدادنا للخروج في نزهة عائلية، رن جرس الباب بقوة واستمرار.
فتح محمد الباب، ليجد أمامه سيدة غريبة تحمل حقائب سفر ضخمة، وإلى جوارها طفلان صغيران. نظرت السيدة إلى محمد بدموع ورجاء، وقالت بصوت متقطع:
“أنا أختك من أباك اللي عمرك ما شفتها… وأمك هي اللي بعتتني ليك وقالت لي بيتك هو المكان الوحيد اللي هيأويني أنا وعيالي بعد ما اترميت في الشارع!”
توقف محمد في مكانه كأن صاعقة أصابته، يتأمل وجه السيدة الغريبة والطفلين المنهكين بجوار الحقائب الكبيرة. كانت تفاصيل ملامحها تحمل تشابهاً لا يخفى مع والده المتوفى، تشابهاً جعل أي شك في كلامها يتلاشى قبل أن يبدأ.
وقفتُ خلفه أرقب الموقف بذهول. “أختك؟” زمزم محمد بصوت خفيض وذهول تام، “أنا طول عمري عارف إن أبايا ما اتجوزش غير أمي!”
انهمرت دموع السيدة وهي تمسك بيده ورجاؤها يقطع القلب: “والدك اتجوز أمي في السر في البلد زمان قبل ما يتوفى، ولما عرفت أمك من فترة طويلة هددته وأجبرته يتكتم على الموضوع. أنا طليقي طردني أنا والعيال النهاردة ورمى هدومنا في الشارع، ولما رحت لأمك تحت في الدور الأرضي رفضت تفتح لي الباب، وقالت لي من ورا الباب المقفول: ‘روحي لابني في الدور الفوقاني.. مراته هي اللي ماسكة البيت ومعاها الفلوس، خلّيها تشيلك أنتِ وعيالك لو عندها أصل!’”