حماتي حكايات بسمه 2
السفرة كلها سكتت تماماً، وحماتي اتسمرت مكانها وبصتلي بدهشة: “إيه اللي بتعمليه دا يا بنتي؟ دا طبقك أنتِ!”
بصيت لحماتي ولقرايبها المظلومين والمظلومات اللي قاعدين، وقولت بكل ثبات وكرامة: “يا طنط، أنا لما زعلت الخمس سنين اللي فاتوا، مكنتش زعلانة عشان حرمان أكل ولا عشان حتة لحمة نفساني فيها.. الأكل موجود في بيت أهلي وفي بيت جوزي وبنعمة ربنا شبعانين. أنا كان زعلي على التفرقة وعلى المعاملة اللي فيها إهانة، وعلى إن البيت دا مكنش فيه عدل.”
وكملت وأنا ببتسم لضرتي: “أنا مش محتاجة أثبت لحد إنني أخدت حقي بطبق أكل زيادة، اللحمة دي حلال على اللي محتاجها، لكن أنا كفاياني إن الحق بان وكرامتي اتردت، والعدل هو اللي ينور السفرة دي مش الكوميديا اللي بتحصل.”
الكلمات نزلت على حماتي زي الصاعقة. الوشوش كلها اتغيرت، والناس اللي كانت جاية تتفرج وتتضحك بقت بتبصلي باحترام شديد، لأنهم فهموا إن الموضوع أعمق بكثير من مجرد عزومة وأكل.
حماتي قعدت على الكرسي ومش قادرة تتكلم، وأخو جوزي الكبير بص لمراته وقالها: “اتعلمي منها العزة والكرامة!”
جوزي قام وقف جنب مني، وبص لأمه وللكل وقال: “مراتي عندها حق.. الكرامة مش بتباع ولا بشتري بطبق لحمة، والعدل لازم يكون طبع مش تمثيلية قدام الناس.”
حماتي حسّت إن كل المحاولات اللي عملتها عشان تطلع هي الضحية وأنا المفترية فشلت، وإن السحر انقلب على الساحر للمرة التانية. وقبل ما حد ينطق بكلمة ثانية، تليفون جوزي رن برقم غريب، ولما رد، ملامح وشه اتقلبت 180 درجة وقالي بصوت مرعوب: “البيت بتاعنا…!”
جوزي اتسمر مكانه والتليفون على أذنه، وشه اتخطف ولونه بقى أبيض زي الطباشير. الصالة كلها سكتت، وبقت النظرات كلها متوجهة ليه مستنيين يفهموا فيه إيه.
رد بصوت بيترعش: “يعني إيه الحريقة مسكت في المطبخ؟ الشقة مولعة؟”
الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة. نسيت اللحمة، ونسيت حماتي والعزومة والسفرة، ومبقتش شايفه قدامي غير شقتنا وشقا عمرنا اللي بيتأكل في النار. قمت وقفت من غير ما أحس، وجوزي شد إيدي وجرينا على بره زي المجانين، ومن ورانا أخوه وحماتي والناس كلها بتجري وراهم حالة ذهول.
طول الطريق وأنا بدعي ربنا وددموعي نازلة على خدي. نوصل الشقة نلاقي المطافي واصلة، والدخان طالع من شبابيك المطبخ والصالة. الجيران كانوا ملمومين، والمنظر كان يرعب أي حد.