مرات ابني حكايات امانى السيد 1
رد عليّ بصوت جاف كالصحراء: “هذا ليس بيتاً يا أمي.. هذا معتقل للنفوس، ونحن نساء ورجال ظلمنا إنسانة لم تزدنا إلا خيراً. أنا ذاهب لأستأجر غرفة صغيرة بجوار بيت أهلها، علّني ألمح أطفالي وهم ذاهبون للمدرسة، علّ ابني يراني من البعيد ويعلم أن أباه ليس نذلاً، وأن أمه لم تكن يوماً خادمة.. بل كانت السيدة الوحيدة في هذا البيت الباطل!”.
خرج ابني وإغلاق الباب خلفه ترك صداً مرعباً في العمارة كلها. خيم الصمت والثقل على الجدران، وتلفتُّ حولي فلم أجد سوى الشقق المتسخة، والقلوب المتنكرة، وزوجات الأبناء اللاتي بدأن يتآمرن عليّ وعلى بعضهن البعض. أصبحت أجلس في شقتي وحدي، أسمع صوت الفراغ، وأتذكر تلك المسكينة التي كانت تنزل في كل صباح، بابتسامتها الرقيقة ووجهها المشرق، تحمل شاي الصباح وتستقبلني بـ “صباح الخير يا حجة”، وأنا أرد عليها بالاستعلاء والجفاء.
تذكرت دموعها وهي ساكتة ومقهورة، وتذكرت كلمتها الأخيرة التي هزت أركاني: “ربنا يجيبلي حقي يا حجة، أنا ما قصرتش مع حد فيكم”. فهمت حينها أن دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب، وأن العدالة الإلهية لا تأتي دائماً بالصواعق، بل تأتي أحياناً بخراب البيوت من الداخل، وبأن يرى الظالم ثمرة ظلمه وشرور أفعاله تتهاوى أمامه شيئاً فشيئاً حتى لا يبقى له أحد.