مرات ابني حكايات امانى السيد 1

نظرت إليها بغضب وشرشحت لها: “قومي انظفي شقتك بنفسك! هل كنتِ تتوقعين أن تظل زوجة أخيكِ تخبز وتغسل لكِ طوال العمر وأنتِ جالس كالملكة؟”.

فردت عليّ بقسوة وقلة أدب لم أعتدها منها: “ولماذا تصرخين في وجهي الآن؟ ألسنا نحن من سمعنا كلامكِ من الأول؟ ألم تكوني أنتِ من تقولين لنا إنها أقل منا ولا يجوز أن نرفعها لمستوانا؟ أنتِ من جعلتها خادمة للبيت، والآن حين طفشت تتصنعين المثالية وتصرخين في وجوهنا؟”.

كانت تلك الكلمات كالصفعة على وجهي. لقد ظهرت الحقيقة البشعة: الكره والتحريض الذي زرعته في قلوبهن ضد زوجة ابني الوسطاني عاد ليتفجر في وجهي أنا. لم تكن أي منهن تحبني أو تحترمني، بل كن يتقربن مني ليتقين شري، واستغللن كرهي لزوجة الوسطاني ليركبن على ظهرها ويرتحن من أعمال البيت.

خلال أسبوع واحد، انقلب البيت إلى جهنم حمراء. ابني الوسطاني ترك عمله، ولم يعد يدخل البيت إلا وهو سكران من الهم، أو يجلس في زاوية الشقة المظلمة يبكي في الصمت. صار ينظر إليّ بنظرات ملؤها الكراهية واللائمة. كلما رآني قال لي كلمة واحدة تزن جبالاً: “دعوتها عليكِ لن تروح هباءً يا أمي.. أنتِ خربتِ بيتي ودمرتِ مستقبل أطفالي”.

أما إخوته، فبدلاً من أن يقفوا معه في أزمته، بدأوا يتشاجرون معه لأن وجوده بكآبته أصبح يزعجهم. حتى زوجاتهم بدأن يطالبن بالأكل الجاهز وبخادمات بفلوس لأن الأعمال المنزلية أصبحت ثقيلة عليهن، وانقلبت بيوتهن إلى ساحات حرب واشتباكات يومية. الأطفال الذين زرعنا فيهم الكبر والغرور بدأوا يتطاولون على أمهاتهم وعلى أنفسهم، وتفككت أسر البيت كله قطعة قطعة.

وفجأة، جرت الأحداث نحو الأسوأ. وصل إلى البيت إعلان رسمي من المحكمة: دعوى خلع مرفوعة من زوجة الابن الوسطاني، ومرفق بها ق\ضية نفقة وق\ضية تمكين من الشقة. حين قيل لابني إن الشقة التي بناها بعرقه ودمه ستصبح من حق زوجته وأطفاله بالقانون وأن عليه أن يخرج منها، لم يغضب أو يصرخ، بل تبسم ابتسامة مكسورة وقال أمام الجميع: “تستحقها.. تستحق الشقة وتستحق روحي أيضاً إن أرادت، علّ ذلك يغسل جزءاً من الخزي الذي ألبستها إياه”.

جمع ابني ملابسه في حقيبة واحدة صغيرة، ووقف أمام باب الشقة ينظر إليّ بجمود. سألته والدموع في عيني: “إلى أين أنت ذاهب يا بني؟ هل تترك أمك وبيتك؟”.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *