مرات ابني حكايات امانى السيد 1
خرج ابني من شقة أخيه كالمدحور، صعد إليّ والدموع تسيل على خديه بغزارة، وقال بصوت حشرجته الغصة: “أمي.. هل صحيح ما قاله ابن أخي؟ هل صحيح أنكِ من صوّرتِ زوجتي للأطفال وللجميع على أنها خادمة؟ هل صحيح أنكِ كنتِ تتحدثين عنها للغريب والقريب كأنها نكرة؟”.
حاولت أن أدافع عن نفسي، صرخت فيه: “هل تبيع أمك من أجل امرأة لا أصل لها؟ هل صدقت كلام عيل صغير وجئت تحاسبني؟ أنا أردت فقط أن أعلمها الأدب حتى لا تتكبر عليك وعلى إخوتك!”.
رد عليّ بنبرة جعلت قلبي يرتجف لأول مرة: “بل أردتِ أن تكسريها يا أمي.. وأنا ساعدتكِ دون أن أدري. كنت أظن أنني أمتلك زوجة تحب أهلي وتخدمهم بطيب خاطر، فاتضح أنني أمتلك زوجة مظلومة مقهورة، كتمت غصتها في قلبها سنوات وسنوات، وكانت تخدمكم وهي تتمنى الموت من الإهانة، وأنا أعمى لا أرى!”.
غادر البيت ليلاً يبحث عنها في بيت أهلها. هناك، رفض والدها حتى أن يدخله من الباب. وقف الرجل العجوز على العتبة وقال له بلهجة حاسمة: “ابنتنا دخلت بيتكم وهي عزيزة مكرمة، تعلمت الصيانة والاحترام، وخرجت من بيتكم كسيرة القلب، ولدها يبكي ويبصق على نفسه لأنه ظن أن أمه خادمة! إن كنت رجلاً فاتركها في حالها، ليس بيننا وبينكم سوى القضاء!”.
حاول ابني أن يرتمى على قدمي والدها ليقبلهما، خلع كبرياءه كله عند الباب، بكى وتوسل أن يرى طفليه فقط أو يسمع صوت زوجته، لكن الزوجة رفضت الخروج له. أرسلت له مع والدها رسالة واحدة قصيرة: “قل له إنني سامحته على قسوته معي، لكنني لن أسامحه أبداً على الدمعة التي نزل من عين ابنه وهو يظن أن أمه خادمة.. انتهى كل شيء بيننا”.
أقام ابني ليلته أمام بيت أهل زوجته، ينام في سيارته كالشريد. وفي الصباح التالي، عادت زوجتا ابني الأكبر والأصغر للبيت، وظنتا أن الحياة ستستمر كما كانت، وأن “الخادمة” ستعود بعد يومين كالعادة لتتحمل الأوساخ والمسؤوليات. لكن الواجبات تراكمت فجأة؛ أصبحت الشقة السفلى متسخة، لا أحد يطبخ الغداء للبيت الكبير، لا أحد يغسل السجاد أو ينظف بعد الأطفال، والأولاد صاروا يتصارعون على الطعام واللعب وتصاعد الصراخ في كل مكان.
جاءتني زوجة الابن الأكبر تشتكي وتتذمر: “يا حجة، الشقة أصبحت كالمزبلة، وأولاد فلان تركوا العابهم في الصالة، من سينظف هذا القرف؟ لم نعتد على العمل في البيت وحدنا!”.