اقرب صاحب ليه 2 كامله
صرخ كريم بصوت هز أرجاء الطرقة:
“قرار إيه يا دكتور؟! اعمل أي حاجة… خدهم هما التلاتة وعيشهم!”
الدكتور بص للأرض بقلة حيلة وقال بنبرة قاسية:
“النزيف حاد جدًا ونبض الأم بيقع… التؤام حياتهم في خطر، لو انتظرنا أنقذناهم هنسرّع بوفاة الأم، ولو ركزنا على الأم مش هيعيشوا. لازم تختاروا فورًا: ينقذ مريم ولا نلحق التؤام؟”
كريم مسك الدكتور من بالطوه ودموعه نازلة زي المطر:
“أنقذ مريم! مريم هي حياتي… أنا مش عايز أطفال، رجعهالي هي بس!”
الممرضات أخدوا الدكتور وجريوا لجوه، والباب اتأفل تاني بوجهنا.
أنا كنت واقفة متسمرة مكان مش قادرة أتحرك. عقلي مش قادر يستوعب الصدمات اللي نازلة فوق دماغي… مريم مش أختي من أمي؟ كريم بيحبني أنا من زمان وتجوز مريم حماية ليها؟ ومريم دلوقتي بتموت جوه وبتروح مننا؟
كريم وقع على الأرض، حاطط وشه بين إيديه وبيصرخ بوجع مكتوم:
“يارب… بلاش هي… أنا نفذت الوصية وحميتها بس متتحرمنش منها دلوقتي، دي أطهر حاجة في حياتي!”
قربت منه ببطء، وجسمي كله بيترعش. قعدت على الركبتين جنبه، ومسكت كتفه وقلت بصوت مش طالع:
“كريم… مريم كانت عارفة؟”
رفع رأسه ليا، وعينيه حمرا دم، وهز رأسه وهو بيتنفس بصعوبة وقال:
“مريم أطهر وأنقى مما نتخيل يا سارة… هي كانت حاسة بكل حاجة.”
“يعني إيه؟” قلتها وأنا حاسة إن النبض هيفصل مني.
كريم طلع من جيبه جواب صغير ملفوف، ومتبهدل كأنه اتفتح وقرا فيه ألف مرة.
وقال:
“مريم قبل ما تخش العمليات بساعة، لما التعب اشتد عليها، مسكت إيدي وادتني الجواب ده… قالتلي بصوت ضعيف أوي: ‘أنا عارفة يا كريم إنك اتجوزتني عشان بابا طلب منك تحميني… وعارفة إنك بتحب سارة… الجواب ده سيبتهولكم إنتوا الاتنين عشان لو أنا ما قمتش’.”
فتحت الجواب بإيد بتترعش… خط مريم كان غير متناسق وبسيط جداً زي الأطفال، بس كل كلمة فيه كانت بتكويني.
كانت كاتبة:
> *”سارة وكريم… أنا بحبكم أوي. أنا كنت عارفة إني مختلفة عنكم، وكنت بشوف في عين الناس استغراب، بس في عين كريم كنت بشوف حماية، وفي عينك يا سارة كنت بشوف أختي وأمي. أنا سمعت بابا زمان وهو بيكلم كريم، وعرفت كل حاجة… وعرفت إن كريم ضحى بعمره عشان خاطري. أنا ما زعلتش… أنا فرحت إن ربنا بعتلي أشخاص زيكم. لو أنا مشيت والتؤام عاشوا، سموهم على اسمي واسم أمي الحقيقية… وخلي كريم يتجوزك يا سارة، لأن ده كان حلمه، وأنا سامحتكم ودعيتلكم من كل قلبي.”*
>
الجواب وقع من إيدي. الشهقات خنقتني وأنا مش قادرة أستوعب كمية النقاء والرضا اللي عند البنت دي. هي كانت فاهمة كل حاجة وشايلة السر في قلبها الطيب ومجهزة نفسها للمشي!
وفجأة…
صوت أجهزة العمليات جوه بدأ يصفر بصوت متواصل وعالي جداً.
صوت الصفارة الطويلة اللي معناه حاجة واحدة بس…
القلب وقف تماماً.
الباب اتفتح بلهفة، والدكتور خرج وهو بيقلع الجوانتي الطبي، وشه كأنه شايل هم العالم كله، وبص للترابيزة وقال بنبرة حزينة:
“البقية في حياتكم… قدرنا ننقذ…”
“قدرنا ننقذ التؤام… بس للأسف، مريم قلبها ملمسش تاني.”
الكلمات طلعت من بوق الدكتور زي رصاصة استقرت في نص صدري.
كريم صرخ صرخة هزت المستشفى كلها، صرخة راجل كبر ألف سنة في ثانية واحدة. اتكب على الأرض وهو بيبكي بهستيريا ويخبط في البلاط:
“لا يا مريم… لااااا! أنا أخلفت الوصية… أنا معرفتش أحميكي! سامحيني يا مريم… سامحيني!”
أنا ما نزلتش مني ولا دمعة. اتسمرت في مكاني، عينيا ثابته على باب العمليات اللي خرجت منه الممرضة وهي شايلة الفطيمين، طفلين صغيرين أوي، بيصرخوا بصوت ضعيف يقطع القلب… وصوت أجهزة مريم جوه كان خلاص سكت.
الدنيا اسودت في وشي. أختي… ونفسي… وحبيبتي… البنت النقية اللي عاشت المظلومة وماتت وهي بتسامح الكل… راحت.
مرت الأيام زي الكابوس.
الدفنة… العزاء… ونظرات الناس اللي فيها عطف ومزج بين الشفقة والدهشة. البيت بقى فاضي وبارد، وصوت مناغاة التؤام كان هو الحبل الوحيد اللي رابطنا بالدنيا.
سمينا البنت “مريم” على اسم أختي، والولد “حسام” على اسم بابا… زي ما مريم طلبت في جوابها.
بعد شهر من الوفاة…
كنت قاعدة في أوضة مريم، ماسكة الجواب بتاعها وبقراه للمرة الألف. كريم كان قاعد في الصالة بره، بقى شبح انسان، خس ونحف وما بيتكلمش مع حد، كل حياته بقت متلخصة في التؤام وبس.
وفجأة… جرس الباب رن.
فتحت الباب لقيته عمي “توفيق”… أخو بابا الكبير. الراجل اللي طول عمره مقاطعنا وكان بيغير من بابا ومن نجاحه.
دخل وعينيه بتتفحص البيت بشر ونظرات طمع واضحة. قعد ومسح على دقنه وقال بنبرة خبيثة:
“البقية في حياتك يا سارة… تعيشي وتفتكري. طبعاً إنتي عارفة إن المرحوم حسام ساب ورث كبير، وعشان مريم الله يرحمها ماتت وما سابتش وريث يربطها بالبيت غير التؤام دول… ففي أوراق رسمية لازم تترتب.”
طلعت بره الأوضة وقلتله بجمود:
“أوراق إيه يا عمي؟ التؤام دول ولاد كريم ومريم، وهما الورثة الشرعيين مع أمي وأنا.”
عمي توفيق ابتسم ابتسامة مستفزة، وطلع من شنطته ملف أسود ورماه على الترابيزة وقال:
“ده كان زمان يا شاطرة… لما كنتم فاكرين إن مريم بنت أختي! بس أنا عارف السر من زمان ومستني اللحظة دي… مريم مش بنت أمك، وده معناه إن جوازها من كريم باطل شرعاً بسبب تزوير الأوراق الثبوتية، والتؤام دول مالهمش أي حق في ورث حسام أخويا… الورث ده يرجع لعيلة حسام الأصلية… يعني ليا أنا وإخواتي!”
أنا وكريم اتصدمنا. كريم قام وقف وفضل يبص لعمي بشرارة:
” أنت بتقول إيه يا راجل أنت؟! أنت تجننت؟!”
عمي توفيق ضحك بصوت عالي وقال:
“أنا مش مجنون… الملف ده فيه كشف طب شرعي وعينة دي إن إيه (DNA) اتعملت لمريم وهي صغيرة بالسر، وتثبت إنها مالهاش أي صلة بأمك… وق\ضية التزوير دي كفيلة تطير الورث كله وتودي أمك وكريم السجن!”
بصيت للملف الأسود وقلبي بيغلي. عمي كان يحضر للضربة دي من سنين!
لكن كريم بلع ريقه، وقرب من عمي توفيق ببطء… وفي عينيه نظرة غريبة أوي، نظرة تحول مفاجئ من الانكسار للقوة الشريرة!
كريم ابتسم ابتسامة باردة جداً، وطلع تليفونه من جيبه، وحطه على الترابيزة قدام عمي توفيق وقال بصوت واطي ومريب:
“أنت متأخر أوي يا توفيق بيه… الورقة دي أنت مش أول واحد يمسكها… ولا أول واحد يحاول يبتزنا بيها!”
عمي توفيق عيونه اتسعت من الصدمة، والابتسامة الخبيثة اختفت من على وشه في ثانية.
“أنت بتهرج يا كريم؟!” عمي قالها بصوت بيترعش وهو بيحاول يداري توتره. “ورقة إيه وتزوير إيه؟ أنا معايا قانون وإثباتات توديكم في داهية!”
كريم شغل تسجبل على التليفون… وصوت عمي توفيق ملأ الأوضة:
> *”يا حسام يا أخويا… لو ما كتبتليش نصيبك في المصنع، أنا هفضح سر مريم وهرفع عليك قض\ية حجر وتزوير وأخلي البنت تتسحب منك وتروح دار رعاية!”*
>
صوت بابا الله يرحمه رد عليه بكل انكسار:
> *”اتقِ الله يا توفيق… البنت مريضة ومالهاش ذنب، خد اللي أنت عايزه وسيب البنت تعيش في أمان!”*
>
الصوت سكت… وكريم بصل لعمي بنظرة كفيلة ترعبه وقال بهدوء يرعب:
“التسجيل ده من عشر سنين… عمي حسام الله يرحمه كان عامل حساب يوم زي ده. أنت مش بس كنت بتبتزه، أنت كمان أخدت منه مبالغ ضخمة تحت مسمى السكوت، وده في القانون اسمه ابتزاز مال ومشهود عليه.”
عمي توفيق قام وقف وهو بيصرخ وبياخد الملف الأسود في حضنه:
“التسجيل ده بله وبيل مائته! الورث ده بتاعي، والتؤام دول مش هيشوفوا مليم، والقض\ية هتترفع بكرة الصبح!”
خرج وعصب الباب وراه بقوة هزت أركان الشقة.
أنا اتكفيت على الكرسي وأنا بحط إيدي على رأسي، الدموع رجعت تنزل من عيني تاني بس المرة دي من الخوف والحرقة:
“هنعمل إيه يا كريم؟ لو رفع الق\ضية، اسم مريم هيتشوه بعد موتها، وأمي هتروح في سين وجيم، والأطفال دول حقهم هيضيع!”
كريم قرب مني، وحط إيده على كتفي لأول مرة من سنين… إيده كانت دافية، وفي عينيه لمعة قوة أنا ما شفتهاش فيه من يوم وفاة مريم.
وقال بثبات:
“مفيش حاجة هتضيع يا سارة… أنا ومريم كنا عاملين حساب اللحظة دي من يوم ما عرفنا إنها حامل.”
بصيتله بذهول: “يعني إيه؟”
كريم مشي ناحية مكتبة بابا القديمة، حرك كتاب معين، وفتح خزنة سرية صغيرة كانت مستخبية ورا الكتب. طلع منها ظُرف أبيض كبير وختم رسمي.
حطه قدامي على الترابيزة وقال:
“مريم قبل ما تخش العمليات بشهر، لما عرفت سرها من بابا زيك بالظبط، أصرت إننا نروح لشهر العقاري… مريم على أوراق الرسمية كانت بكامل قواها العقلية وقادرة تتصرف، وكتبت كل حصتها اللي ورثتها أو هتورثها شرعاً من باباكي… بيع وشراء نهائي باسم التؤام، وعملتلي أنا وإنتي وصاية مشتركة عليهم.”
دموعي وقفت من المفاجأة.
كريم كمل وهو بيبتسم بوجع:
“مريم كانت أذكى وأنقى مننا كلنا يا سارة… هي كانت عارفة إن عمك مش يسيبها، فآمنت ولادها قبل ما تمشي… عمك توفيق مالوش أي صفة يرفع بيها قض\ية، لأن الورث خلاص مابقاش باسم مريم اصلاً، بقى ملك للتؤام بعقود مسجلة وموثقة.”
حسيت بإن نفسي بدأ يرجعلي تاني… بس فرحتي ما كملتش ثانية.
جرس التليفون رن بصوت عالي ومزعج.
كريم رد، وفجأة ملامح وشه اتغيرت تماماً… التليفون وقع من إيده على الأرض.
مسكت ذراعه بسرعة وقلتله برعب:
“في إيه يا كريم؟! مين كان بيكلمك؟!”
كريم بصلي بعيون مليانة ذعر وقال بصوت مهزوز:
“المستشفى… أمك وقعت في الصالة عندهم وهي بتجيب أدوية التؤام… والحالة حتة تانية خالص…”
“مالها أمي يا كريم؟!” صرخت فيها.
كريم بلع ريقه وقال بصعوبة:
“التحاليل بتاعتها طلعت يا سارة… أمك عندها نفس المرض الوراثي النادر اللي كان عند أم مريم الحقيقية… والمرض ده اتنقل للتؤام!”