ماما رومانى مكرم
قفلت التليفون، وطلعت بالشنطة لحد باب الشقة. إبراهيم كان قاعد في الصالة وحاطط رجل على رجل وفاكر إني بتهدد بس، وأول ما شافني ماسكة الشنطة وماشيّة، اتعدل في قعدته وقال بصوت حاد:
– إنتِ رايحة فين بجدك كده؟ فاكرة نفسك رايحة بيت أبوكِ؟ ده أنتِ لو طلعتِ من الباب ده، طلقات بالثلاثة ما أنتِ راجعة!
بصيت له بابتسامة كلها وجع وكرامة، وقولت له بكلمات واضحة:
– ومن قالك إني عايزة أرجع؟! اعتبرني طالق من اللحظة دي، وربنا يهنئك بـ أمك وبيت العيلة بتاعكم.. مبروك عليك الخدامين!
سبته وفتحت الباب ونزلت جري على السلم، وقلبي بينبض بقوة كأني لسه مولودة حالا وعالم جديد بيفتح بابه قدامي. أول ما طلعت برض الشارع، لقيت عربية تاكسي واقفة، وأمي نزلت منها جارية زي الفراشة رغم سنها، وجريت عليّا ضمتني لصدرها بقوة.
حضنتها وحضنتني، وقعدنا نعيط إحنا الاتنين في نص الشارع، عياط مرتاح، كأننا بنغسل كل سنين القهر والوجع والذل اللي عشناها.
ركبنا التكسي، وأمي مسكت إيدي وقالت لي بحنية الدنيا كلها:
– حقك عليا أنا.. أنا اللي دخلتك السكة دي ورميتك لناس ما ترحمش، بس خلاص.. من النهاردة أنتِ في حضني، ومليون راجل ما يقدر يوطي راسك تاني، وفلوس الدنيا كلها تحت رجليكي يا روح قلب أمك!
وصلنا شقة أمي، الشقة الواسعة الهادية اللي كلها ريحة طيبة وحب ودفا. دخلت وقعدت على الكنبة، وبصيت حواليا، حسيت إني رجعت لنفسي وروحي اللي كانت مسجونة.
عدت يومين بحالهم، وإبراهيم ما سألش فيا ولا حتى رفع سماعة التليفون، وفاكر إن كرامتي هتكسره وإني هرجع أجري أعتذر له زي كل مرة. بس تالت يوم، وخارج الصبح بدري، سمعنا صوت خبط جامد على باب الشقة بتاع أمي.
فتحت أمي الباب، وانصدمت لما لقيته واقف قدامها وبصوت متعجرف قال ببرود:
– جاي أخد مراتي.. بلا دلع حريم بلا قرف.. تلم هدومها وتطلع معايا حالا، والموضوع ده يخلص هنا!
أمي وقفت في وشّه زي الأسد، وبصت له بقمة الشموخ والرفض، وقالت له بصوت ثابت قوي:
– مراتك؟ مراتك طردتها بالشنط على سلم البيت يا محترم، والست المحترمة اللي زي بنتي ما تقعدش عند واحد ما صانهاش ولا حمى عرضها من سم أمها! واطلع بره بيتي أحسن لك، بدل ما أوريك وش تاني خالص!