زووم اتون ادسمنذ 6 أيام 6 دقائق ### الجزء الثالث: زلزال في العش الخرب خرج طارق وأمه وأخته من الصدمة ليدخلوا في نوبة من الهستيريا؛ فالمكتب الذي قضى طارق سنوات في تأسيسه بمالي وشقائي أصبح قانونيًا تحت تصرفي، والشيكات التي وقعتها شيرين في الماضي لرد ديونها لي أصبحت سيفًا مصلتًا على رقبتها، أما “الحاجة إجلال” فكانت تجلس على المقعد وتتنفس بصعوبة بعد أن أدركت أن الشقة التمليك التي كانت تؤمن بها شيخوختها قد طارت في الهواء بسبب جشع ابنها. التفت طارق إلى محاميه وزعق فيه وهو يمسك بتلابيبه: — اتصرف يا غبي! يعني إيه العقود دي سليمة؟ إحنا اتنصب علينا في بيتنا! رد المحامي وهو يلملم أوراقه ويداه ترتعدان: — يا أستاذ طارق، المدام مضّت أختك ومضّتك على عقود متراجعة ومكتوبة بصياغة قانونية مفيهاش ثغرة واحدة، والمستشار رفعت مسجل العقود دي وموثقها في الشهر العقاري بالتوكيل الرسمي اللي مع المدام من الأول.. انتوا وقعتوا في فخ ملوش مخرج سريع! هنا تقدمتُ خطوات نحو طارق، ونظرت إليه بقوة هزت ما تبقى من بروده القديم، وقلت له: — ده مش نصب يا طارق.. ده رد مظالم. فاكر لما قلت لي ورجلك فوق رقبتك؟ وفاكر لما قلت لي هرميكي للكلاب في الشارع؟ أنا بقى مش هرميك.. أنا هسيبك للقانون يعلمك إزاي تحترم بنات الأصول. التفت المستشار رفعت إلى الضابط والمعاون القضائي وقال بوقار: — سيادة الضابط، إحنا أثبتنا حالة التمكين، وأثبتنا تسلم موكلتي لكافة مستندات ممتلكاتها المستردة. ودلوقتي هنمشي عشان نبدأ في الإجراء التنفيذي الثاني من بكرة الصبح. خرجت مع المستشار رفعت ورجال الشرطة، وتركت خلفي جحيمًا مشتعلًا؛ صراخ شيرين التي أدركت أن الأربعة ملايين ونصف أصبحت دينًا رسميًا عليها، وعويل الحاجة إجلال، وصمت طارق الرهيب الذي كان يخطط في تلك اللحظة للانتقام ولكن بطريقة أخرى. في صباح اليوم التالي، كنت جالسًا في مكتب المستشار رفعت أرتشف الشاي بهدوء، حين رن هاتفه. أشار لي بابتسامة خبيثة وفتح مكبر الصوت، فجاء صوت طارق متهدجًا، باكيًا، يحمل نبرة انكسار مصطنعة: — يا مستشار رفعت.. أنا طارق، جوز أسماء. أبو.س إيدك خليها تحل الموضوع ودي. إحنا عشرة سبع سنين، وأنا كنت عميت من الطمع والشيطان شاطر.. أنا مستعد أطلقها وديًا وأسيب لها كل حاجة، بس بلاش تدمر مستقبلي ومستقبل أختي وأمي. نظر إليّ المستشار رفعت يستشيرني بعينيه، فأشرت له بيدي بالرفض قاطعةً كل سبل الرجوع. فرد عليه المستشار بنبرة حاسمة: — الكلام ده كان ينفع يا أستاذ طارق قبل ما تهددها ببيع بيت أبوها وتتوعد برميها في الشارع. موكلتي رافضة تمامًا أي حلول ودية، وميعادنا في المحكمة الاقتصادية ومحكمة التنفيذ. أغلق الخط، والتفت إليّ المستشار رفعت وقال بنبرة جدية: — أسماء يا بنتي.. طارق مش هيستسلم بسهولة. النبرة المكسورة دي وراها حاجة. الراجل ده محاسب قانوني ومفتح، وأكيد هيلعب لعبة قذرة عشان يوقف تنفيذ العقود دي أو يثبت إنك استغليتي توكيله. إحنا لازم نتحرك فورًا للخطوة التالتة قبل ما يفوق من الصدمة. — إيه هي الخطوة التالتة يا سيادة المستشار؟ ابتسم وقال: — الحجز التحفظي على حسابات مكتب المحاسبة بالكامل، ورفع دعوى بطلب فرض الحراسة القضائية على الشقة التمليك. وبكده، طارق مش هيلاقي مليم واحد يصرفه على محامي يدافع عنه! بالفعل، وخلال ثمانٍ وأربعين ساعة، كان المستشار رفعت قد نفذ الحجز التحفظي بنجاح. وجاءني اتصال من صديقة مقربة لي كانت تعمل مع طارق في المكتب، وقالت لي وهي مذهولة: — أسماء! طارق جه المكتب الصبح لقى الحسابات مجمدة والموظفين رافضين يشتغلوا، وجاتله قوة من المحكمة قفلت المكتب بالشمع الأحمر بناءً على طلبك! طارق اتجنن وقعد يكسر في الشارع وحلف إنه مش هيسيبك عايشة! شعرت برعشة خفيفة في قلبي، ليس خوفًا، بل تحذيرًا من غدره. تذكرت كلام والدي رحمه الله: *”الذئب الجريح يكون أكتر شراسة”*. وفي مساء نفس اليوم، كنت في بيت المعادي، أجلس في الحوش الصغير تحت شجرة الليمون التي زرعها أبي، أتأمل النجوم وأشعر لأول مرة بروح أبي وأمي تحفّني بالسلام. وفجأة، انقطع التيار الكهربائي عن البيت بالكامل، وساد الظلام الدامس في الحوش والمنزل. حاولت إخراج هاتفي لأضيء الكشاف، لكنني سمعت صوت خطوات ثقيلة تتقدم على الحصى في الحوش الخارجي.. خطوات أعرفها جيدًا. ثم جاءني صوته من وسط الظلام، نبرة لم أسمعها منه طوال سبع سنين، نبرة فحيح الأفاعي: — فاكرة نفسك كسبتي يا أسماء؟ فاكرة إن القانون هيحميكي مني في بيتك؟ أنا جيت آخد روحي.. وآخد البيت ده معاها. التفتُ بمفزعة وأنا أرى خيال جسده الضخم يتقدم نحوي وفي يده شيء يلمع تحت ضوء القمر الخافت.. فماذا سيفعل طارق في عتمة الليل؟ وكيف أعددتُ له مفاجأة أخرى لم تخطر بباله حتى وهو في قمة جنونه؟ ### الجزء الرابع: فحيح الأفاعي في وكر الأسد تجمدت الدماء في عروقي لثوانٍ معدودة وأنا أرى خيال طارق يتقدم نحوي وسط ظلام الحوش الدامس. الشيء الذي كان يلمع في يده تبين أنه “مفتاح إنجليزي” حديدي ثقيل، كان يمسكه بعزم قوته وعيناه تتطاير منهما شرارات الجنون. لم يعد ذلك الزوج الأنيق صاحب الهدوء البارد؛ كان هائمًا على وجهه، ملابسه مبعثرة، ونبرة صوته تحمل غل سنوات من الطمع المكبوت. تراجعت خطوتين إلى الخلف مستندة بجذعي على شجرة الليمون، وقلت بصوت حاولت بكل قوتي أن يخرج ثابتًا: — انت اتجننت يا طارق؟ انت ناسي إنك كده بتمضي على وثيقة حبسك بإيدك؟ الضابط قال لك أي تعرض ليا هيتحول لجناية! ضحك ضحكة هستيرية عالية رنت في فناء البيت، وقال وهو يرفع الس..لاح الحديدي: — حبس؟ أنا مبقاش عندي حاجة أخاف عليها يا أسماء! مكتب الشقى اتقفل بالشمع، وأمي وأختي في الشارع بسببك، وحساباتي جمدتوها! أنا جيت أنهي الحكاية دي هنا.. في المكان اللي بدأ فيه كل حاجة. هتمضي لي على تنازل عن كل اللي هببتيه، وتنازل عن بيت أبوكي ده كمان، وإلا وعهد الله ما هتطلعي من الحوش ده صاحية، والكهرباء المقطوعة دي مفيش مخلوق هيعرف بسببها إنتي صرختي امتى ولا فين! تقدم خطوة واسعة نحوها، وكان على وشك أن يرفع يده بالضرية الأولى، لكنني لم أتحرك، ولم أصرخ، بل ابتسمت ابتسامة خفيفة وسط الظلام، وقلت له بكل برود: — طب مش تبص وراك الأول يا طارق؟ قبل أن يستوعب كلماتي، انطلقت فجأة أضواء كاشفة قوية من أركان الحوش الأربعة، أضواء تعمل ببطاريات شحن مستقلة لم تتأثر بقطع الكهرباء، لتكشف المستور بالكامل وتعمي عينيه لثوانٍ من شدة سطوعها. وفي نفس اللحظة، فتح باب المطبخ الجانبي وباب سور الحوش، ليخرج منهما أربعة رجال أشداء يرتدون ملابس حراسة خاصة، وبصحبتهم المستور رفعت الذي كان يحمل هاتفًا محمولاً يسجل به كل ما يحدث بالفيديو صوت وصورة! تراجع طارق إلى الخلف وهو يحجب الضوء بيده، والذعر يتملك ملامحه مجددًا، وصرخ: — إيه ده؟ انتوا مين؟ تقدم المستشار رفعت بثقة وهو يغلق تسجيل الفيديو، وقال بنبرة ملؤها الشماتة والقوة: — إحنا اللي كنا مستنيينك يا أستاذ طارق. معقولة محاسب قانوني ومفكرش إننا نتوقع حركتك دي؟ الست أسماء بلغتني بتهديدك ليها في التليفون، وعرفنا إنك جيت قعدت على قهوة قريبة من البيت من العصر. وعشان كده، الحراسة الخاصة دي كانت مستنياك، وفصلك للكهرباء عن البيت تم توثيقه بالكامل بكاميرات المراقبة المحيطة اللي شغالة بالطاقة الشمسية! سقط المفتاح الحديدي من يد طارق وارتطم بالأرض محدثًا صوتًا معدنيًا رنانًا. تهاوت قواه تمامًا وهو يرى رجال الحراسة يحيطون به، بينما تقدمت أنا خطوتين، ووقفت أمامه بكل كبرياء وقلت: — فاكرني غبية يا طارق؟ فاكرني أسماء بتاعة زمان اللي كانت بتصدق وعودك وبتبيع دهبها عشانك؟ أنا من يوم ما دخلت مكتب المستشار رفعت وأنا مأمنة نفسي ومأمنة بيت أبويا تالت ومتلت. أشار المستشار رفعت لرجال الحراسة، الذين أمسكوا بطارق من ذراعيه وشلوا حركته تمامًا، وقال: — البلاغ اتقدم فورًا للنجدة يا أستاذ طارق بتهمة “اقتحام مسكن، والتهديد بالقتل باستخدام س..لاح، وإتلاف عمدي للمرافق”. الجناية دي لوحدها كفيلة تخليك تقضي أحلى سنين عمرك ورا القضبان، ده غير قضايا الحجز والشيكات اللي فوق راس أختك وأمك. بدأ طارق يرتجف، وتغيرت لهجته تمامًا إلى التوسل: — أسماء.. عشان خاطر السبع سنين اللي عشناهم سوا.. بلاش توديني في داهية. أنا هطلقك حالا، وهبعد عنك أنا وأهلي ومش هتشوفي وشنا تاني، بس بلاش السجن! نظرت إليه وعيني لا تحمل له سوى الازدراء، وقلت: — السبع سنين دول انت اللي دفنتهم بإيدك لما جيت تسرقني في بيت الغالي وتذلني قدام أهلك. القانون هياخد مجراه يا طارق، والندم دلوقتي ملوش تمن. خلال دقائق، وصلت سيارة الشرطة إلى باب البيت بناءً على الاتصال المسبق، وتم اقتياد طارق مكلبش اليدين وسط ذهول الجيران الذين خرجوا على صوت سرينة الشرطة، ليروا “المحاسب المحترم” وهو يساق كالمجرمين من بيت زوجته. في اليوم التالي، توجهت مع المستشار رفعت إلى سراي النيابة للإدلاء بأقوالي وتقديم الفيديوهات والتسجيلات التي تثبت الواقعة، ليصدر قرار رسمي بحبس طارق أربعة أيام على ذمة التحقيق مع مراعاة التجديد. جلسنا في استراحة المحكمة، والتفت إليّ المستشار رفعت بوجه جاد للغاية وقال: — أسماء، طارق كده انتهى جنائيًا وقانونيًا، ومكتبه وشقته بقوا تحت إيدينا بشكل شبه نهائي. لكن فيه حاجة تانية لازم تعرفيها.. “الحاجة إجلال” وأختها شيرين مش ساكتين. أنا جالي تليفون من مصادري إنهم بيحضروا للعبة تانية خالص برة المحاكم، لعبة هتمس سمعتك وشرفك في الحي كله عشان يجبروا عيلتك تضغط عليكي وتتنازلي عن القضايا دي كلها وتنقذي طارق من السجن! رفعت حاجبّي بذكاء والتفتت للمستشار وقبل أن يتكلم، فتحت حقيبتي وأخرجت منها ملفًا أخضر صغيرًا لم يره من قبل، وقلت له بابتسامة غامضة: — هما لسه بيفكروا يشوهوا سمعتي؟ طب إيه رأيك بقى يا سيادة المستشار إن الملف ده فيه “المستند السرّي” اللي شيرين مخبياه عن طارق وعن أمها بيدها؟ مستند لو طلع للنور، مش بس هيخليهم يجروا ورايا يبو.سوا إيدي.. ده هيخلي عيلتهم تفركش وتقطع في بعضها بالسكاكين! ما هو هذا المستند السري الذي تملكه أسماء؟ وكيف ستقلب به الطاولة على شيرين والحاجة إجلال في مواجهتهم القادمة؟