ابويا جيه من الفيوم حكايات زهرة الربيع3
محمود وقف في مكانه عند الباب، المفتاح لسه في إيده، وبصته اتجمدت على التليفون اللي في إيدي وعلى ملامح وشي اللي كانت بتتكلم من غير ولا حرف. الجو في الصالة فجأة بقى بارد وخانق، والنفس بيننا بقى مسموع. هو بذكائه المريض لقط الليلة في ثانية، عرف إن الحصن اللي باني حوالين نفسه وسره اللي مخبيه عن الدنيا كلها اتهد، وإن القناع الساقط ملوش وش تاني يتلبس بيه.
قفل الباب وراه براحة وببطء شديد، خطواته وهي بتقرب مني كانت حذرة، وعينيه لمعت بنظرة غريبة، نظرة مفيهاش أي أثر للضعف أو الانكسار اللي مثله قدام أهلي في الفيوم. دي كانت نظرة الوحش اللي اتكشف جحره.
قرب لحد ما بقى بيني وبينه خطوتين، وبمنتهى البرود مد إيده وأخد التليفون من إيدي اللي كانت بتترعش، بصل الشاشة ولقى إيميل المحامي وكشوف الحسابات المليونية مفتوحة. ضحك ضحكة مكتومة، ضحكة صفرا سدت نفسي، وحط التليفون في جيبه وقال بصوت هادي ومستفز: “وأهو اللي كنت خايف منه حصل.. الفضول الحريمي اللي هيخرب بيتك يا بنت الحاج أحمد. مكنتش أحب إنك تشوفي الوش ده دلوقتي، بس إنتي اللي استعجلتي نصيبك.”
أنا في اللحظة دي، طاقة الغضب والغل اللي كبتها سنين انفجرت جوايا. صرخت في وشه وأنا بنهج: “وش إيه يا مجرم؟! يا مريض! ملايين؟ معاك ملايين ومقعدني في الرطوبة والضلمة؟ سايب الحيطان تقع على دماغي ودماغ عيالك اللي لسه مجوش؟ مستخسر فيا لقمة العيش وفالحة تطفي ورايا النور عشان المليم؟ وأبويا.. أبويا الراجل الشقيان اللي جالك زائر، تكسر بخاطره وتعايره باللقمة وتخليه يحس إنه ثقيل، وأنت عندك قصر وقافل عليه ومعاك ملايين في البنوك؟! أنت إيه؟ أنت مش بني آدم، أنت شيطان!”
محمود متهزش، ولا حتى رمش، قعد على الكرسي وحط رجل على رجل بكل برود، وبصلي وقالي: “الفلوس دي فلوسي أنا، شقايا وتدبيري، الفلوس مبتجيش بالهبل والصرف اللي أنتوا متعودين عليه. أنا أهلي مكنوش لاقيين يأكلوا، وأنا اللي عملت نفسي، وعشان أعمل الملايين دي كان لازم أحسب الهوا اللي بتنفسه. الشقة اللي كانت هتقع مكنتش هتقع ولا حاجة، دي حيطان قديمة تترمم بمية جنيه بس أنا كنت مستخسر في المقاولين! وأبوكي.. أبوكي جاي يتمنظر عليا بشوية فطير ومش، وعاوزني أذبح له وأصرف في يوم واحد اللي يعيشني أسبوع؟