ابويا جيه من الفيوم حكايات زهرة الربيع 1
في اللحظة دي، الغرفة كلها ساد فيها صمت قاتل. محمود وشه جاب ميت لون، وبقى يبصلي وعينيه طالعة لبرة من الصدمة، مكنش متخيل أبدًا إن السكوت والبرود اللي كنت فيهم امبارح كانوا الهدوء الذي يسبق العاصفة، ولا كان يتوقع إني هملك الشجاعة والجرأة إني أعرّيه قدام أبويا وأكشف بخله وسواد قلبه بالوضوح ده. كان واقف مبرق، لسانه اتلجم تماماً، وبقى يتلفت حوالين نفسه زي الفأر المحبوس في مصيدة، يحاول ينطق، يبرر، يقول إنها كانت هزاار أو إنه مقصودش، بس الكلمات ماتت في حلقه.
أما أبويا، فالصدمة على وشه كانت أقوى وأعمق. الراجل الطيب اللي جاي من سفر ومسافة عشان يطمن على بنته ويشوف شقتها الجديدة، تترد له الزيارة بكلمة تجرح كرامته وتهز هيبته! شفت دموع مكتومة في عينين أبويا، وملامحه اتغيرت من الفرحة للانكسار، وبص لمحمود بنظرة عتاب ووجع تقطع القلب. أبويا اتنفس بصعوبة، وهز رأسه بقلة حيلة وهو بيبص للشنط اللي على الأرض، وكأنه مش مصدق إن فيه بني آدم بالدناءة دي ممكن تطلع منه الكلمات دي في حق راجل مسن وفي مقام والده.
محمود حاول يتقدم خطوة ويقول بجلعمة وصوت مرتعش: “يا عمي.. أنا.. أنا مكنتش.. دي البنت دي بتتبلى عليا.. أنا مقولتش كدة!” قاطعت كلامه وضحكت ضحكة عالية كلها سخرية وقولت: “بتتبلى عليك؟ طب وموضوع كباية العصير اللي قولتلي هيشربها ويتكل على الله؟ مش أنت اللي لسه مأكد عليا الصبح مطلعش غيرها؟ أهو العصير شربه، والراجل جاي يلم حاجته ويمشي من قلة الواجب، تحب أحلفلك على المصحف قدام أبويا بالكلمة اللي قولتها؟”
هنا أبويا وقف وبكل هيبة ووقار، وطى على الأرض ولم الشنط بتاعته بنفسه. محمود جري عليه يحاول يمسك الشنط ويقوله: “والله يا عمي ما حصل، اتفضل بس استريح، ده أنت تنورنا، الشقة شقتك..”
لكن أبويا نفض إيده من إيد محمود بقوة وعزم مكنتش أتخيل إنهم لسه في جسمه الضعيف، وبص في عين محمود وقاله بصوت رخيم يهز الحيطان: “شيل إيدك عني يا محمود. الشقة دي شقة بنتي، وأنا جيت أزور بنتي، ومكنتش أعرف إن بنتي متجوزة راجل نسي الأصول ونسى إن البيوت المفتوحة بالخير بتعيش، والبيوت اللي بتتحسب باللقمة بتموت بأصحابها. اللقمة اللي هتذلني بيها في بيت بنتي، متلزمش بطني، وأنا خيري مغرقني ومغرق بلدي، ومش مستني فرخة ولا حتة لحمة من واحد بيطفي النور ورا مراته عشان يوفر مليم!”