دهبى امانى السيد

على الناحية التانية، كانت الدنيا بتلف لعبد الله بطريقة ميعلمش بيها إلا ربنا.

نيرمين أول ما حست إن الفلوس بتقل والبريق طفى، بدأت تعمل خناقات يومية وتطالبه بمصاريف خيالية ومظاهر هو مابقاش قادر عليها. هو دخل في فخ الطمع، بدأ يسترخص في الخامات ويغش في التشطيبات عشان يلحق يسد الشيكات اللي على رقبته، فبدأت البضاعة ترجعله بعيوبها، والزباين يشتكوا، وسمعته في السوق بقت في الحضيض.

خلال سنة واحدة بس، التجار قفلوا الحنفية ومحدش رضي يديله متر خشب واحد بالآجل، والعمال سابوا ورشه لما اتأخرت يومياتهم. اضطر يعرض أول فرع للبيع برخص التراب عشان يسدد ديونه، ونيرمين في أول لحظة ضيق رفعت عليه ق\ضية خلع وخدت اللي طالته منه وهربت.

وفي يوم كنت واقفة في الفرع الرئيسي بتاعي، لابسة أرقى ما عندي ووسط العمال والزباين والطلبيات بتتستف على العربيات، لمحته واقف على الرصيف المقابل من ورا زجاج المعرض. كان متبهدل، ضهره محني، ووشه شاحب والهم واكل ملامحه، باصص للنجاح والخير اللي ربنا كرمني بيه بعد ما كان فاكر إنه دَفني.

بصيتله لثواني معدودة، من غير شماتة ولا كره، مجرد شفقة على راجل فكر إن الغدر ممكن يبني بيه بيت أو يصنع بيه اسم، ورجعت أدير ضهري للشباك وأكمل شغلي، بعد ما ربنا كتبلي الرد العملي اللي مفيش أبلغ منه.

ممرتش دقايق ولقيت باب المعرض بيتفتح وصوت الجرس بيرن. دخل بخطوات مترددة، باصص في الأرض، هدومه اللي كانت زمان من أغلى الماركات بقت مبهدلة وباهتة، ووشه شاحب وعينيه مكسورة مفيهاش أثر للغرور اللي كان بيفرده عليا زمان.

العمال أول ما شافوه سكتوا وبصوا لبعض، كان في نظراتهم ألف معنى، نفس العمال اللي طردهم زمان دلوقتي واقفين بكرامتهم وبياخدوا شقاهم أول بأول. شاورت ليهم بإيدي يكملوا شغلهم، ووقفت ورا مكتبي بكل هدوء وثبات.

قرب عبد الله من المكتب، حط إيده المرتعشة على الحافة وسكت لثواني كأنه بيدور على صوت ضاع منه، وبعدها نطق بنبرة ذليلة تقطع القلب: “ازيك يا أم العيال.. ما شاء الله، ربنا يزيدك ويباركلك في رزقك ورزق ولادنا.”

بصيتله ببرود من غير ما أرد ولا أقطع صمته.

بلع ريقه وصوته انكسر أكتر: “أنا خسرت كل حاجة يا فوزية.. المعرض التاني عليه حجز خلاص وشيكاتي رايحة للنيابة، ونيرمين باعت كل حاجة حتى الشقة وهربت.. أنا على الحديدة، ومطلوب في ديون توديني ورا الشمس. التجار كلهم قفلوا أبوابهم في وشي، وقولت مفيش غيرك بنت أصول.. شغليني معاكي، أي حاجة، حتى لو هبقى مجرد بياع على باب المعرض ولا مشرف عمال، بس ألاقي لقمة أعيش منها ومترميش في السجن.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *