عقد زواج عرفي ج١ حكايات انجى الخطيب

وأنا بدور على شاحن الموبايل في تابلوه عربية جوزي… إيدي لمست ورقة مطوية. فتحتها من باب الفضول، لكن اللي شوفته جمد الدم في عروقي… كان عقد جواز عرفي مكتوب فيه اسم جوزي… والعروسة كانت بنت خالته….
أنا عروسة جديدة متجوزة بقالي سبع شهور…
جوازي جه بعد قصة حب استمرت أكتر من تلات سنين. وقفت قدام أهلي، واستحملت زعلهم واعتراضاتهم، وتمسكت بيه لآخر نفس. كنت مقتنعة إنهم مش شايفين سعادتي، وإن أول ما أتجوزه هثبت للجميع إن اختياري كان صح. وكنت فاكرة إني أخيرا هرتاح واخدت الراجل اللي انا عايزاه وإني انتصرت…
مكنتش أعرف إن وجع القلب الحقيقي لسه مستنيني .
من كام يوم كان مسافر شغل بالعربية. اتأخر شوية، فنزلت استناه تحت البيت. أول ما وصل، ركن العربية وقال وهو بينزل:
“دقيقة بس… هجيب كام حاجة من السوبر ماركت ونطلع.”
#انجي_الخطيب
هزيت راسي وقعدت أستناه جوه العربية.
موبايلي كان هيقفل، فقلت أدور على الشاحن. فتحت درج العربية وأنا مش حاطة في دماغي أي حاجة… لكن إيدي لمست ظرف بني قديم، متني.
طلعته وفتحت الظرف…
وأول ورقة وقعت في إيدي… خلت الدم يتسحب من وشي.
عقد جواز عرفي.
باسم جوزي .
فضلت أبص للاسم مرة… واتنين… وعشرة.
يمكن متلخبطة… يمكن حد تاني.
لكن لا…
الاسم اسمه والتوقيع توقيعه.
وبصيت على التاريخ…
العقد معمول من سنة ونص.
يعني قبل جوازنا.
إيدي كانت بتترعش وأنا ببص في العقد … لحد ما وصلت لاسم العروسة.
وقتها حسيت إن الأرض بتتهز من تحتي.
دا اسم بنت خالته.
البنت اللي عمره ما جاب سيرتها قدامي ولا مرة… مع إن العيلتين بينهم مشاكل قديمة، وكل واحد فيهم عامل نفسه ميعرفش التاني.
همست لنفسي وأنا مش مستوعبة:
“يعني… كان متجوزها؟!”
في اللحظة دي سمعت باب العربية بيتفتح.
قلبي كان هيقف.
قفلت العقد بسرعة، رجعته مكانه بالظبط، وقفلت الظرف كأنه عمره ما اتفتح.
ولما ركب، بصلي وهو بيبتسم وقال:
“مالك؟ وشك مخطوف كده ليه؟”
ابتسمت بالعافية وقلت:
“مفيش… شكلي تعبانة شوية.”
وبصيت من الشباك عشان ميشفش عيني.
من يومها… وأنا عايشة مع راجل حاسة إني معرفوش.
كل كلمة بيقولها بقيت أشك فيها.
كل مرة يبصلي فيها وأسمعه يكرر:
“إنتِ أول بنت دخلت حياتي.”
كان صوت الجملة دي بيبقى عامل زي السك..ينة وهي بتغرز في قلبي.
صورت العقد بموبايلي قبل ما أقفله… وهو لحد اللحظة دي ميعرفش إني شوفته.
ومن ساعتها وأنا مش بعرف أنام.
أواجهه؟
ولا أروح لأبويا الأول؟
ولا أسكت يمكن يكون فيه تفسير يغيّر كل اللي في دماغي؟
بس فيه حاجة واحدة متأكدة منها…
لو العقد ده حقيقي، بيتي انتهى.
وأهلي، خصوصًا أبويا، مستحيل يسيبوني أقعد معاه دقيقة واحدة.
لكن اللي خلاني أتجمد فعلًا… مش العقد.
اللي خلاني أحس إن فيه مصيبة أكبر مستخبية…
إن وأنا بقلب الورق، كان فيه ورقة تانية جوه الظرف…
قرأت أول سطر فيها بس…
وللأسف، اللي كان مكتوب فيها أخطر بكتير من عقد الجواز نفسه…
#انجي_الخطيب
حسيت بريقي بينشف ونبضات قلبي بقت تدق في وذني كأنها طبول الحرب، عيني كانت مسمرة على الورقة التانية اللي جوه الظرف، ونفسي بيطلع بصعوبة كأن حد كابس على صَدري، مكنتش قادرة أستوعب هل فيه مصيبة أكبر من عقد الجواز العرفي ده؟!، بصيت عليه وهو سايق ومسرح في الطريق، ملامحه الهادية اللي كنت بحس معاها بالأمان بقت مرعبة، كأنه واحد تاني خالص ماعرفوش، داس على فرامل العربية عشان إشارة المرور والتفتلي فجأة وقال بحنان مصطنع: “مالك يا انجي؟ من ساعتها وأنا حاسس إنك تايهة ومش معايا، فيكي إيه؟”، بلعت ريقي بصعوبة وابتسمت بتماسك كداب وقلت بصوت مهزوز: “مفيش يا حبيبي، تعبانة من الشغل مش أكتر”، هز رأسه بقلق مزيف وقال: “طب استملي شوية، خلاص قربنا نوصل البيت وترتاحي”، رجعت بصيتي للشباك والدنيا بتلف بيا، شريط تلات سنين حب، وعند أهلي، ووقفتي قدامهم، وكل دمعة نزلتها عشانه عشان أثبت للناس كلها إني صح، عدوا قدام عيني زي الشريط السريع، حسيت بنغزة تقيلة في قلبي، وكلمته اللي دايماً بيكررها وهو باصص في عيني “إنتِ روحي وكل حياتي” بقت تتردد في وداني بطريقة توجع، عديت الليلة دي وأنا نايمة جنبه على السرير، بس كأني نايمة على صفيح ساخن، عيني مابتغمضش، وطيف الورقة التانية دي مش مفارق مخيلتي، تساؤلات ماليش إجابة عليها بتموتني في اليوم ألف مرة، ياترى الورقة التانية دي فيها إيه؟ هل متجوزين ومعاهم عيال؟ ولا فيه بيزنس ومصالح ما بينا وبين عيلة خالته اللي مقاطعينهم؟ ولا السر أكبر بكتير؟ الصبح جه بطيء كأنه سنة، وهو نزل شغله بدري، ومنى عيني أفتح التليفون وأبص على صورة العقد اللي صورتها عشان أتأكد إني مش في كابوس، استنيت لما الساعة بقت الظهر، وقلبي كان بيترعش، فتحت الواتساب واخترت رقم بابا، ولقيت نفسي بكتبله رسالة قصيرة من غير تردد: “يا بابا، أنا محتاجة أجيلك حالا.. وماتسألنيش في إيه غير لما تشوفني بعينك”، داس على زرار الإرسال وعيني دمعت، حسيت إن دي النهاية لقصة حب مفبركة، وإن كبرياءي اللي دافعت عنه قدام أهلي اتهد في لحظة، وقبل ما الموبايل يرن برقم بابا، سمعت صوت المفتاح في الباب.. رجع بدري!
…….
صوت المفتاح وهو بيدور في الباب جه في وداني كأنه طلقة رصاص، موبايلي كان لسه على شاشة الواتساب ورسالة بابا منورة باللون الأزرق، من غير ميكانيكية تفكير نطيت من على السرير، قفلت الشاشة وحذفت السيرة الذاتية للرسالة في ثواني، وجريت على المطبخ وأنا ببلع ريقي وبمسح دموعي بالعافية عشان مايحسش بحاجة، دخل وهو بيفك كرافتة قميصه وبيبص حواليه بتعب وبيقول بصوت عالي: “يا انجي! إنتِ فين؟ مش سامعة صوتي ولا إيه؟”، طلعتله وأنا ماسكة كوباية مية وبحاول أبان طبيعية جداً، وقلت بابتسامة باهتة: “كنت في المطبخ بشرب.. رجعت بدري ليه؟ حصل حاجة في الشغل؟”، قرب مني وباس راسي بحرارة كالعادة، وبص في عيني قوي وقال: “الاجتماع خلص بدري، وحسيت إني مش قادير أقعد هناك دقيقة وأنا سايبك تعبانة، قلت أرجع أقضي معاكي بقية اليوم ونطلب أكل من بره”، الكلمة نزلت عليا زي السك..ينة، حنان الكدب ده بقى مقرف وصعب الاحتمال، حسيت بغثيان وقعدت على الكرسي وأنا بقول بصوت واطي: “تسلم لي يا حبيبي.. كتر خيرك”، دخل غير هدومه، وأنا فضلت قاعدة مكاني بقلب بيدق بجنون، عقلي كان مشتت بين حاجتين: هل أواجهه باللي شوفته دلوقتي وأخلص من العذاب ده، ولا أستنى بابا لما يجي وياخدني من هنا بكرامتي؟، وفي وسط ما أنا تايهة في أفكاري، موبايله اللي كان محطوط على الترابيزة رن رسالة، وبصدفة بحتة عيني وقعت على الشاشة وهي منورة، كان مكتوب في الإشعار من برا اسم “نهى” (بنت خالته)، والرسالة بتقول: “كل حاجة تمام زي ما اتفقنا؟ ولا باباها حس بحاجة؟”، الدم جمد في عروقي للمرة التانية، وفهمت إن الموضوع مش مجرد جواز عرفي قديم وخلاص، دول شغالين مع بعض في حاجة ومن ورايا، وفجاة سمعت صوته طالع من الحمام بيقول: “انجي.. ناوليني المنشفة اللي على السرير لو سمحتي”، وقفت ورجلي مش شايلاني، دخلت الأوضة، مسكت المنشفة، وعيني لمحت تليفونه اللي لسه منور جمب المخدة، من غير ما أتحكم في نفسي، مديت إيدي ومسكت تليفونه، وبسرعة البرق فتحت الشات بتاعها، ولقيت الطامة الكبرى.. لقيت محادثات بينه وبينها متصورة فيها مستندات وأوراق بيع وشراء، وصورة شهادة ميلاد لطفل!، ورسالة منه بيكتبلها فيها: “اصبري شوية كمان.. لحد ما أضمن أكتب نص شقة انجي باسمي ساعتها مش هيهمني حد”، وقفت مكاني مصدومة، الشنطة اللي حلمت بيها، والشقة اللي فرحت بيها، وكل لحظة حب كنت فاكراها حقيقية، طلعت مجرد خطة عشان يسرقوني ويتجوزوا من ورايا، في اللحظة دي سمعت باب الحمام بيتفتح وهو طالع بينشف إيده، ولقاني واقفة وماسكة تليفونه في إيدي.
حكايات انجى الخطيب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *