اهل جوزي حكايات نور محمد

من ابن عمي حازم، محامي شركات وبيراجع الحسابات في شركة المقاولات بتاعة بابا.
الرسالة كان فيها سطرين بس
سلمى، إياكي ترجعي شقة التجمع دي لوحدك تحت أي ظرف.
وبعدها رسالة تانية ظهرت
أنا راجعت الورق اللي عمي طلب مني أراجعه امبارح. عيلة طارق مجوزوهولكش عشان هو بيحبك. هما جوزوهولك عشان هما مشهرين إفلاسهم وعليهم شيكات ب ٤٠ مليون جنيه.. وفيه كارثة تانية لسه مكتشفها حالا بخصوص طارق شخصياً..
الكاتبه_نور_محمد
فتحت رسالة حازم وإيدي بتترعش على شاشة الموبايل، والنبض في وداني كان أعلى من صوت أجهزة الطوارئ اللي حواليا.
طلبت رقمه فوراً، مفيش ثانيتين وكان الخط مفتوح
حازم! إيه الكارثة اللي بتقول عليها دي؟ انطق!
صوت حازم كان طالع منه نهجان، وصوت تقليب ورق سريع في الخلفية
سلمى.. طارق مكانش متجوزك عشان يعمل عيلة، طارق كان واخدك كبش فدا! في ورق مسرّب من البنك ومن مكتب التوثيق، طارق كاتب وصولات أمانة وشيكات بدون رصيد ب ٤٠ مليون جنيه لشركات وهمية ولناس تقال في السوق، والمهلة الأخيرة للسداد كانت بكره الصبح! والأنيل من كده.. القسيمة اللي خلاكي تمضي عليها الصبح في الزفة مكنتش بس قسيمة الجواز، المأذون اللي جابوه تبعهم وكان داسس في النص توكيل إدارة عام بحساباتك البنكية وبنصيبك في شركة المقاولات بتاعة عمي، كانوا ناويين يرهنوا نصيبك أول ما البنوك تفتح بكرة عشان يسدوا ديون القمار والصفقات المشبوهة بتاعة أبوه!
حسيت ببرودة الموت بتمشي في عروقي.
العيلة دي مكنتش مجرد عيلة مريضة ومضطربة بتفرغ عقدها بالضرب والكسر.. دي كانت عصابة لابسة بدل شيك وماشية بمظاهر كدابة عشان تنهب اللي حواليها!
قفلت مع حازم وأنا باخد نفسي بصعوبة، ورفعت عيني لقيت باب أوضة الكشف بيتفتح، والدكتور خارج ومعاه الممرضة.
دكتور.. طنط صفاء عاملة إيه؟
الحمد لله، خدنا خمس غرز فوق الحاجب، وعندها كدمات متفرقة في الكتف والضهر، بس الجمجمة سليمة.. الست دي نجت بمعجزة يا آنسة، الضربة كانت على بعد سنتيمترات من العين وممكن تسبب عاهة مستديمة. إحنا لازم نعمل تقرير طبي ونبلغ نقطة الشرطة.
في اللحظة دي، سمعت صوت صفاء المبحوح من ورا الستارة
لأ يا بنتي.. بلاش فضايح، رؤوف هيقتلني لو عملت محضر.
دخلت عليها الأوضة، كانت قاعدة على السرير الأبيض، الشاش ملفوف على راسها، ووشها باهت زي الورقة الصفراء، لكن عينيها.. عينيها كانت مليانة وجع ثلاثين سنة من القهر والخوف.
قعدت على طرف السرير ومسكت إيديها الباردة بين كفوفي
لحد إمتى يا طنط؟ لحد ما يدفنوكي ويقولوا قضاء وقدر؟ لحد ما يبيعوا اللي وراكي واللي قدامك؟
دموعها نزلت بصمت وجع قلبي، وبدأت تتكلم وصوتها بيتقطع
أنا اللي عملت في نفسي كده يا سلمى.. من أول يوم اتجوزت رؤوف، شفته بيضرب أمه وبيكسر كلامها، ولما ضربني أول قلم بعد أسبوع من جوازنا، أمي الله يرحمها قالتلي استحملي وظلي تحت ظل راجل، الراجل لما بيتعصب بيبقى زي العيل. سكتت.. وكل قلم كان بيجيب وراه شتيمة، وكل شتيمة جابت ضرب بالخرطوم وبالحزام.. لحد ما طارق وأخوه كبروا وشربوا منه القسوة، بقوا يشوفوني مجرد خدامة في البيت ملهاش صوت ولا كرامة. حتى ورث أبويا.. العمارة وأرض التجمع اللي إحنا ساكنين فيها دي، كانت ورثي أنا، رؤوف خد توكيل مني زمان ومضاني على تنازلات، وعاش بيها باشا وركّب ديون على الكل.
شهقت وأنا بسمعها.. البيت ملكها هي! الفلوس والأصل ملك الست المكسورة دي، وهما عايشين يتنططوا بخيرها ويدوسوا عليها بالنعال!
وفجأة.. الباب اتفتح بقوة.
دخل بابا، ووراه حازم ومحامي العيلة الكبير، الأستاذ فاروق.
بابا أول ما شافني، مشي بخطوات سريعة وعينيه بتلمع بدموع عمري ما شفتها فيه.. حضنني بقوة كأنه بيرجع روحه لجسمه، وإيده لمست خدي المتورم مطرح قلم طارق.
سلمى.. حقك عليا يا بنتي، أنا اللي مخدتش بالي من الكلاب دول، أنا اللي انخدعت بالمظاهر.. بس والله العظيم، وحياة كل شعرة بيضا في راسي، لأدفعهم تمن النقطة دي من دمك أضعاف مضاعفة.
مسحت دموعي ووقفت جنبه
أنا كويسة يا بابا، ومسبتش حقي.. صوابع طارق زمانها في الجبس دلوقتي. بس طنط صفاء هي اللي محتاجة حمايتنا، وهما مجهزين فخ عشان يسرقونا الصبح.
حازم اتكلم بثقة وهو بيفتح اللابتوب بتاعه
مفيش فخ هيمشي يا سلمى. أنا اتصلت بمدير البنك المركزي وجمّدنا أي تعامل على حساباتك، وبلاغ التزوير جاهز للنائب العام مع صورة العقد والتوكيل الباطل اللي المأذون حاول يمرره. والتقرير الطبي بتاعك وبتاع مدام صفاء هيتحول فوراً لجناية شروع في قتل وضرب أفضى لكسر وأذى جسدي.
بابا بص لصفاء بمنتهى الاحترام والشهامة
يا مدام صفاء.. انتي في حماية منصور التهامي، وكلمتي شرف، حقك اللي راح في تلاتين سنة هيرجعلك في تلات أيام، بس بشرط واحد.. تكوني قوية ومتتراجعيش.
صفاء بصت لبابا، وبصتلي، ولأول مرة أشوف لمعة غضب وقوة في عيون الست دي بدل الخنوع.. مسحت دموعها بكفها وقالت بصوت طالع من قاع جرح قديم
مش هتراجع يا حاج منصور.. أنا هقفل باب الجحيم ده بإيدي.
مع شروق شمس اليوم الجديد، الساعة كانت تمانية الصبح.
في دوبلكس التجمع الخامس.. كان رؤوف قاعد لابس بدلته الكاملة ومستني تليفون من البنك، وطارق قاعد جنبه، رابط إيده اليمين بجبس أبيض ضخم ووشه محتقن بالغل والحقد، والعمّة مديحة بتشرب قهوتها وبتبص في ساعتها.
رؤوف زعق لطارق
المأذون كلمك؟ قالك الورق اتوثق؟
طارق بغل
الورق معاه يا بابا، وساعة بالكتير وحازم

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *